.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
لم يأت "الفيتو" الأميركي في مجلس الأمن الدولي، في شأن وقف حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة، مفاجئاً، إلا لمن عقد الرهان، وبالأحرى الأوهام، على خلاف أميركي ـ إسرائيلي، أو على خلاف بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو، كما على وهم مفاوضات بين الإدارة الأميركية و"حماس"؛ وهو أمر غريب، ينمّ عن سطحيّة سياسية، وعن تغييب للذاكرة التاريخية.
معلوم أن التوتر بين رئيس الإدارة الأميركية (سواء أكانت ديموقراطية أم جمهورية) ورئيس الحكومة الإسرائيلية لا يؤثّر على العلاقة الاستراتيجية التي تربط بين البلدين، ولا يخلّ بالتزامات الولايات المتحدة إزاء أمن إسرائيل وتفوقها في المنطقة.
كذلك، فإن ذلك الرهان ينطوي على نسيان، أو تجاهل، السياسة التي كان دونالد ترامب قد انتهجها، في عهده الأول (2017 ـ 2021)، والتي بيّنت عمق التزامه بإسرائيل؛ والأهمّ أنه ينطوي على تجاهل موقف ترامب بشأن منحه صواريخ مدمّرة كانت الإدارة السابقة (جو بايدن) منعتها عن إسرائيل، إضافة إلى ابتداعه حلاً يتأسّس على نقل فلسطينيي غزة إلى مكان آخر غير وطنهم، في الحين الذي يقيم الأسوار على حدود بلاده الواسعة مع المكسيك، وكل ذلك مع تجاهله مسؤولية إسرائيل عن حرب الإبادة التي تشنها ضد الفلسطينيين منذ 20 شهراً، والأحوال المأسوية التي يعيشون في ظلها.
وللتذكير، فإن "الفيتو" الأخير، هو الأول من نوعه في عهد الرئيس ترامب، في حين استخدمت الولايات المتحدة حق النقض "الفيتو" أربع مرات في عهد الإدارة الديموقراطية السابقة، علماً بأنها كانت وحيدة في استخدام ذلك الحق، إذ حتى بريطانيا صوتت مرتين مع مشروعي قرار في مجلس الأمن الدولي (تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، وحزيران/يونيو 2025)، على خلاف الولايات المتحدة، في حين كانت روسيا والصين قد اعترضتا مرة واحدة بـ"الفيتو" على مشروع قرار (آذار/مارس 2024).
أما في ما يخصّ "حماس"، فقد بدت مستعجلة، وغارقة في الوهم، في تجاهلها لحقيقة السياسة الأميركية الداعمة لإسرائيل، لظنها أن إدارة ترامب تأخذها في الاعتبار، لمجرّد لقاء لها مع آدم بوهلر المبعوث الأميركي لشؤون الرهائن (أيار/مايو الماضي في الدوحة)، في حين أن تلك الإدارة لا تتعامل لا مع منظمة التحرير، ولا مع السلطة الفلسطينية، وكلّ ما أرادته من ذلك اللقاء هو الإفراج عن رهينة أو أسير إسرائيلي/أميركي (عيدان ألكسندر)، وتقطيع الوقت للتغطية على الحرب التي يشنّها نتنياهو في غزة.
على ذلك، ربما كان الأجدى بـ"حماس" إدراك الحيثيات التي برّرت بها إدارة ترامب استخدامها "الفيتو"، والتي تتماهى مع السياسة الإسرائيلية، لجهة عدم نصّ مشروع القرار على إدانة "حماس"، ومطالبتها بنزع أسلحتها، والإفراج عن الرهائن الإسرائيليين، وخروجها من المشهد السياسي في غزة، كشرط لوقف الحرب؛ وهي الشروط ذاتها التي أتت في خطة، أو مقترح، المبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف، الذي نص على وقف نار موقت (60 يوماً)، وأن وقف الحرب نهائياً يتطلب شرطين: نزع أسلحة "حماس"، وخروجها من غزة.
مشكلة "حماس" أن تعاطيها السياسي يبدو غير مسؤول، ومنفصم عن الواقع، ليس في التعاطي مع السياسات والمقترحات الأميركية وحسب، وإنما بذهابها، من الأساس، إلى عملية على غرار "طوفان الأقصى"، كحرب جيش لجيش، وفي مبالغة بقواها الذاتية، ومراهناتها على ما يسمى وحدة الساحات؛ والمشكلة أنها لا تزال على ذلك النهج رغم كل الانهيار المريع الحاصل في معسكر "المقاومة والممانعة".
وبديهي أن مشكلة "حماس" أنها لم تضع في حسبانها خيارات التراجع، بظنها أن هذا هو زمن إنهاء إسرائيل، أو زمن التحرير، أو دحر الاحتلال من الضفة وغزة. وهي مستمرة على ذلك رغم أنها باتت تبحث عن وقف إطلاق النار، وعن العودة إلى ما قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، في حين لم يبق شيء بغزة على حاله، يمكن العودة إليه، لا الشعب ولا الأرض ولا القضية ولا المقاومة ولا "حماس" ذاتها.
"حماس"، الآن، تريد انسحاب إسرائيل من بعض غزة، ووقف حربها، وإدخال المساعدات، وهذه كلّها لم تكن عنواناً لها لدى قيامها بالطوفان؛ لذا، فإن مأزق "حماس" اليوم أنها لا تستطيع الاستمرار، ولا تستطيع الاستقالة من دورها، أو هي لا تملك الشجاعة السياسية والأخلاقية لذلك، على الأقلّ كرمى لشعب فلسطين ورحمة بعذاباته، علماً بأنه لم يبق لفلسطينيي غزة ما يمكن المراهنة عليه، سوى الانتهاء من هذه الحرب، ومحاولة لملمة جراحهم، وتفويت أهداف إسرائيل باقتلاعهم من أرضهم.