غزة: حسابات السياسة وصرخات الإنسانية!

كتاب النهار 03-06-2025 | 04:00
غزة: حسابات السياسة وصرخات الإنسانية!

التهدئة لن تكون مجرد خيار إنساني أو سياسي، بل محطة اضطرارية تُدار وفق ميزان المكاسب والخسائر، وبما يخدم مصلحة القيادة الإسرائيلية قبل كل شيء...

غزة: حسابات السياسة وصرخات الإنسانية!
ترك غزة رهينة لحسابات الساسة وصفقات النفوذ، استنزاف خطير لقيم العدالة والإنسانية. (أ ف ب)
Smaller Bigger

لا يبدو أن المساعي المتواصلة لوقف إطلاق النار في غزة، أو أي مفاوضات لاحقة بشأن هدنة طويلة الأمد، ستُعيد الواقع الفلسطيني إلى ما كان عليه قبل عملية "طوفان الأقصى". فالحقائق على الأرض تغيّرت جذرياً، والوقائع التي فرضها الاجتياح الإسرائيلي الواسع بدلت من ملامح الصراع ومعادلاته، وكما خسرت إيران الكثير من أذرعها الإقليمية بفعل التصعيد، تبدو حركة "حماس" ماضية في طريق فقدان وجودها العسكري المنظّم، مع ما تبقّى لها من قدرة محدودة على المناورة، التي باتت تتركز حالياً في ملف الرهائن.

إسرائيل، من جانبها، لن تضع أوزار الحرب قبل أن يحقق رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو "نصراً صريحاً"، يُرمّم به صورته المتصدّعة أمام الداخل الإسرائيلي، ويُخفّف من الضغوط المتصاعدة المرتبطة بقضاياه القضائية وأزماته السياسية المتراكمة؛ ولذلك، فإنّ التهدئة لن تكون مجرّد خيار إنساني أو سياسي، بل محطة اضطرارية تُدار وفق ميزان المكاسب والخسائر، وبما يخدم مصلحة القيادة الإسرائيلية قبل كلّ شيء.

أما الوضع في غزة، فقد تجاوز حدود المأساة؛ فالحركة التي كانت تملك زمام المبادرة في مناطق كثيرة، أصبحت اليوم تصارع من أجل الحفاظ على وجودها الرمزي، بعدما خسرت معظم قادتها، وتلقى جناحها العسكري ضربات موجعة، وباتت "حماس" تجد صعوبة حتى في ضمان الحد الأدنى من تمثيلها في أيّ صيغة سياسية مستقبلية لقطاع غزة، في ظلّ مفاوضات معقّدة ومتعثّرة، لا تملك فيها زمام المبادرة ولا قدرة حقيقية على التأثير، بينما يقف العالم العربي على عتبة خطة مرسومة لمستقبل غزة، لكنها معلّقة في الهواء، إذ لا قدرة لهم على تنفيذها، في ظلّ تجاهل أميركي واضح، وانحياز مستمر إلى الجانب الإسرائيلي، رغم ما يُبديه البيت الأبيض من ضغوط شكلية لإظهار التوازن. والإدارة الأميركية تسير على خطٍ يتماهى مع الوقائع الميدانية، ويدفع نحو تغيير ديموغرافي تدريجي في القطاع، عبر التهجير أو عبر "تسويق الرحيل" كخلاص.

مصر، من جهتها، باتت أكثر اطمئناناً إلى أن ملف غزة لن يقع بالكامل في قبضة قوى إقليمية منافسة كتركيا أو إيران؛ فالأولى منشغلة بترتيبات معقدة في الملف السوري، والثانية غارقة في مفاوضات نووية بعدما تراجعت أذرعها في المنطقة. لكن القاهرة لا تزال ترى في هذا المشهد مقدّمات لتحوّلات خطيرة، قد تطال أمنها القومي بشكل مباشر، خصوصاً إذا استمرت السيطرة الإسرائيلية على غزة، وتبدّدت آمال إقامة دولة فلسطينية. وفي ظل هذا الواقع، تتحرك القاهرة بجدية لتثبيت تهدئة تُوقف شلال الدم، وتحفظ ما تبقى من أرواح وبنية متهالكة، وتعتمد على تاريخها الوسيط وثقلها الإقليمي في الضغط على طرفي النزاع، محاولة العثور على مخرج وسط هذا الركام، رغم تصلّب الموقف الإسرائيلي وغياب إرادة دولية حقيقية لفرض تسوية عادلة. لكنها تعلم أيضاً أن هذا المسار هشّ، ومن دون دعم دولي حقيقي وضمانات تُلزم الأطراف بتجنّب العودة إلى العنف.

إسرائيل تواصل عملياتها العسكرية تحت غطاء استهداف قيادات "حماس"، بينما تسقط القنابل على الأحياء السكنية، وتُهدم البنية التحتية، ويُقتل آلاف المدنيين، معظمهم من النساء والأطفال، والمشهد الإنساني في القطاع فاق كل تصور: مستشفيات منهارة، مياه وكهرباء مقطوعة، آلاف النازحين من دون مأوى، وخدمات إنسانية غائبة. ورغم الإدانات المتزايدة، فإن تل أبيب لا تبدي أيّ نية للتراجع، بل تصرّ على إكمال المخطط حتى النهاية، وتجد إسرائيل نفسها محاصَرة بين ضغوط أميركية متزايدة، ورغبة داخلية في إنهاء الحرب بأقلّ كلفة سياسية واقتصادية ممكنة؛ ومع ذلك، يُصرّ الجناح المتطرف في الحكومة على رفض أيّ تسوية لا تنتهي بـ"سحق حماس"، مما يُبقي نتنياهو متردّداً بين متطلّبات بقائه السياسي، وقيود الواقع الميداني.

الواقع إذن أن وقف إطلاق النار لا يزال رهينة الحسابات السياسية، أكثر من كونه استجابة لإنقاذ الأرواح؛ ومع كلّ يوم جديد، يرتفع عدد الضحايا، وتتسع رقعة الدمار، وتتعمّق مأساة القطاع، ولا يحتاج الفلسطينيون إلى مسار تفاوضي شكليّ، بل إلى إرادة دولية حقيقية تفرض التهدئة، وتطلق مرحلة جديدة من إعادة الإعمار وفرض الاستقرار. أما ترك غزة رهينة لحسابات الساسة وصفقات النفوذ، فليس مجرد تجاهل لمعاناة شعب، بل استنزاف خطير لقيم العدالة والإنسانية، وتهديد مباشر لاستقرار الإقليم بأسره.