.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
"الغريب هو فقط صديق لم تلتقِ به بعد"، كما قال شاعر إيرلندا الكبير وليام بتلر ييتس الذي حاز نوبل في 1923. لكن يبدو أن هذه الحكمة العتيقة لم ترُقْ لكير ستارمر رئيس وزراء بريطانيا، فعمد إلى الاستعانة بشاعر أقل أهمية هو إينوك باول الوزير السابق في حكومة المحافظين، صاحب خطاب "أنهار الدم" الشهير و"الشرير" على حد تعبير صحيفة "التايمز"، لجهة التعامل مع الهجرة والمهاجرين. اشتكى باول في 1968 من تدفق المهاجرين الذي يجعل البريطانيين "يشعرون أنهم غرباء في وطنهم". أما ستارمر فحذّر بعد أكثر من نصف قرن من أن الهجرة تهدد بتحويل بريطانيا إلى "جزيرة من الغرباء" وتشجع "القوى التي تمزق بلادنا"!
كانت بوادر هذا الجنوح إلى اليمين واضحة قبل انتخابات الأول من أيار / مايو. لكن لم يكن متوقعاً أن يكشف الحزب الحاكم عن مدى الهلع الذي يشعر به حيال حزب الإصلاح بزعامة النائب الشعبوي نايجل فارّاج، من خلال طرح مشروع قانون جديد يبطش بالمهاجرين بعد أيام من انتصارات الحزب الصاعد.
ولما كانت اللغة مفتاحاً أساسياً لكسب ثقة أعضاء النادي المعادي للمهاجرين، فقد استعار ستارمر نبرة فارّاج ومفردات "أستاذه" باول. ولدى قراءته إعلان مشروع القانون الجديد، كانت لغة الجسد تدل على نوع من السرور والحماسة، فيما كان يشدد على الكلمات كأنه يزيح عن صدره صخرة رزح تحتها من زمن طويل. وبدت كلمته مليئة بالحيوية على غير العادة لكونه خطيباً غير مفوه.
بصرف النظر عما قاله أو سيقوله، الهجرة قضية إشكالية بامتياز بشكل متزايد ومحورية بالنسبة الى الناخبين البريطانيين. لكن هناك الكثير من الخلط بين المهاجرين الشرعيين وغيرهم، علاوة على أخطاء ترتكبها الدوائر الرسمية المعنية أو المهاجرون أنفسهم. وهم بشكل عام قد جُعلوا كرة سياسية يتقاذفها المتطرفون لأسباب منها التعاطي الشعبوي مع الأمر من أحزاب طموحة كالإصلاح، أو وسائل الإعلام المواكبة لطموحات اليمين واليمين المتطرف.
الطريف أن ستارمر ذاته قال شيئاً من هذا القبيل حينما حذّر في 2020 من "سرديات وسائل الإعلام" الميّالة لتبني مواقف حزب المحافظين التي "غالباً ما تتخذ المهاجرين ذريعة وشيطنتهم". ومضى لينفي مسؤولية المهاجرين عما يعانيه البريطانيون من صعوبات العيش الاقتصادية ومتاعب الوصول إلى المسكن المناسب أو الحصول على العناية الصحية المناسبة، بل يعود هذا كله إلى سياسات المحافظين الاقتصادية الفاشلة!
فكيف غيّر الزعيم رأيه قبل أن يكمل سنته الأولى في الحكم، وراح يحمّل المهاجرين تبعات خطف فرص العمل من مواطنيه و تمزيق النسيج الاجتماعي في بريطانيا؟
هذا التحول، أو قل التناقض بين الأمس واليوم، سيمعن في الإساءة لصورة ستارمر كزعيم يُقال سلفاً إنه متردد ولا يمكن الركون إلى ما يقوله. فهو لا يتبنى موقفاً مبدئياً بل "يمثل" تبني الموقف الذي يناسب السوق. وبالتالي فإن الناخبين المناهضين للمهاجرين سيفضلون حزب الإصلاح وزعيمه لكونهما صاحبَي سجل في مجال استهداف "الغرباء"، ولن يثقا بستارمر الذي أخذ يضيّق على المهاجرين لكون ذلك يخدم مصلحته الانتخابية وليس لأنه مؤمن بوجوب ذلك!
وسواء كان محقاً في اتخاذ موقف مختلف بسبب الخوف من انفضاض الناخبين عنه أم لا، فالتغيير أضر به شخصياً أكثر مما نفعه، كما أوحى التسرع وعدم التأكد من صلاحية المشروع قبل إعلانه. فالتخلص من المهاجرين غير ممكن لأن قطاع "رعاية المسنين" الذين يمنع القانون المزمع استقدام الأجانب للعمل فيه، لن يستطيع الاستمرار من دونهم، شأنه شأن الزراعة. كما أن الجامعات باتت في ورطة بسبب فرض الكثير من القيود على الطلاب الأجانب.
صدمت طروحات ستارمر كثيرين. تذمر منها اليسار المعتدل في الحزب الحاكم وانتقدها المصنفون يساريين متشددين. وقال صادق خان عمدة لندن الوسطي إنه لم يكن "ليستخدم اللغة ذاتها"، فيما اعتبرت النائبة العمالية ناديا ويتوم الهجوم على المهاجرين "معيباً وخطيراً".
أما تيارات اليمين في الحزب الحاكم وحزب المحافظين، فقد أيدت الكلمة، كما صفق لها قادة حزب الإصلاح. وليس من الصعب فهم سرورهم بها، فتحوّل ستارمر يصبّ في مصلحتهم، ولذا مضى فارّاج يرفع إشارة النصر ضاحكاً، متسائلاً: ألم أقل لكم أنني على حق وسيقف في صفي حتى ألدّ خصومي؟