بوتين... طموحه ترامب وليس زيلينسكي

كتاب النهار 20-05-2025 | 01:05
بوتين... طموحه ترامب وليس زيلينسكي
ينظر بوتين إلى أوكرانيا، كمسألة فرعية لاشتباك أكبر مع الولايات المتحدة. ولهذا، يصرّ على لقاء ترامب لوضع تصوّر أميركي-روسي لمستقبل أوروبا. لكن مشكلة كبرى تبرز.
بوتين... طموحه ترامب وليس زيلينسكي
هناك فرصة الآن، لوقف الكارثة قبل وقوعها. (أ ف ب)
Smaller Bigger

لا يريد الرئيس الروسي التفاوض مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. هذا ما تبيّن من اكتفائه بإرسال وفد متواضع إلى محادثات إسطنبول الجمعة، وتصعيد المطالب الروسية، على غرار الدعوة إلى انسحاب أوكرانيا من المناطق الأربع التي ضمّتها روسيا بعد الحرب.

من سلسلة التصريحات والمواقف، تتبدّى حقيقة يسعى إليها بوتين. ومن بينها، عدم الإقدام على خطوات يُستشف منها أنه وافق على التعامل مع زيلينسكي من موقع الند للند. ما يطمح إليه الرجل بعد الحرب التي تمرّ بعامها الرابع، التفاوض مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وإبرام "يالطا" جديدة معه تضع هياكل أمنية جديدة للقارة الأوروبية... وربما أبعد.

هنا ينظر بوتين إلى أوكرانيا، كمسألة فرعية لاشتباك أكبر مع الولايات المتحدة. ولهذا، يصرّ على لقاء ترامب لوضع تصور أميركي-روسي لمستقبل أوروبا. لكن مشكلة كبرى تبرز. كيف ينظر ترامب إلى روسيا؟ هل لا يزال الرئيس الأميركي يعتقد بعد هذه الحرب والعقوبات الغربية التي أثرت إلى حدّ لا يمكن تجاهله في الاقتصاد الروسي، وبعد الخسائر الفادحة التي حلت بالقوات الروسية، بأن روسيا تتمتع بالمكانة التي تجعل رئيس الولايات المتحدة، يقدم على إبرام "يالطا" جديدة معها؟

الشيء الوحيد الثابت، هو أن ترامب يريد وضع حد للحرب، وهو مستعد لقرارات غير عادية من أجل المساهمة في هذا الهدف، الذي يقربه من جائزة نوبل. لكن أن يصل إلى حد القبول برسم خريطة مشتركة لأوكرانيا ولأوروبا عموماً، فهي مسألة من المشكوك أن تكون مطروحة على بساط البحث، من الجانب الأميركي.

أما بوتين، فإنه يتعاطى من موقع المنتصر في هذه الحرب، ويراهن على أنه على رغم الخسائر، فإن روسيا قادرة على تحمل أعباء حرب استنزاف تستمر لسنوات بعد. وهذا مغزى ما أبلغه المفاوض الروسي فلاديمير ميدينسكي إلى المفاوضين الأوكرانيين في إسطنبول، عندما قال إن عليهم تذكّر أن بطرس الأكبر حارب السويد 21 عاماً.

يرى أن معالجة "أسباب" الحرب خلال المفاوضات، أهم من الذهاب إلى وقف نار مؤقت يجمّد الجبهات ويتيح لأوكرانيا التقاط الأنفاس. وفي مقدم الأسباب التي يتحدث عنها بوتين، طموح كييف إلى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.

قال ترامب أكثر من مرة، إنه لا يرى مستقبل أوكرانيا في الأطلسي. لكن هذا غير كافٍ لبوتين، الذي يريد ضمانات أميركية وأوروبية، بألا تنضم كييف إلى الحلف الغربي، بعد أن يحلّ رئيس غير ترامب في البيت الأبيض.

لم يعد خافياً أن ثمة رهاناً لدى بوتين على تعب الغرب من تقديم الدعم لأوكرانيا، وأنه في لحظة ما، سيعمد هذا الغرب نفسه إلى الضغط على زيلينسكي للقبول بالشروط الروسية.

غير أن بوتين يجب أن يأخذ في الاعتبار أن ترامب الذي لا يظهر الودّ لزيلينسكي، لن يسمح بانهيار أوكراني دراماتيكي، وكذلك الدول الأوروبية. والمستشار الألماني الجديد فريدريك ميرتس، قد يزوّد أوكرانيا بصواريخ أرض-أرض متطورة من طراز "توروس"، التي يمكن أن تشكل فارقاً نوعياً في الأسلحة الأوكرانية، وتصحيح بعض الخلل في موازين القوى.

وبناءً على ذلك، قد لا يكون رهان بوتين صائباً بالدرجة التي يراها أو يتمناها، وقد يستجد واقع يقلب بعض المعادلات، ويزيد الأكلاف على روسيا.

قصارى القول، الجهود الأميركية لوقف الحرب، هي سلم النجاة ليس لأوكرانيا فحسب، بل لروسيا أيضاً.

والخشية هي أن يصل ترامب إلى مرحلة يتخلى فيها عن الجهود السلمية، ويترك الأمور تتصاعد إلى مستويات أعلى تهدّد بتوسّع النزاع إلى دول أخرى والتحوّل إلى مواجهة روسية-أطلسية.

هناك فرصة الآن، لوقف الكارثة قبل وقوعها.