نحو معالجة مشكلات اللغة الأمازيغية في الجزائر

كتاب النهار 20-05-2025 | 01:01
نحو معالجة مشكلات اللغة الأمازيغية في الجزائر

يلاحظ أن المشكلة الكبرى التي لم تخضع حتى الآن للحوار الجاد وللبحث العلمي المتواصل تتمثل في عدم جمع التراث الثقافي والأدبي والفني الأمازيغي وتصنيفه ثم نفخ الحياة فيه...

نحو معالجة مشكلات اللغة الأمازيغية في الجزائر
الأمين العام للمحافظة السامية للأمازيغية الهاشمي عصاد
Smaller Bigger

من جديد تأكد السبت الماضي اهتمام السلطات الجزائرية باللغة الأمازيغية، وذلك من خلال إشراف وزير الاتصال الجزائري محمد مزيان والهاشمي عصاد الأمين العام للمحافظة السياسية السامية للغة الأمازيغية على افتتاح أشغال يوم دراسي شاهدته جامعة الحاج لخضر1 ، بمدينة باتنة، وهو من تنظيم هذه المحافظة تحت عنوان "الإعلام بالأمازيغية في الجزائر... تثمين التجربة واستشراف المستقبل ".

ففي هذا اليوم الدراسي أكد الوزير محمد مزيان في الكلمة التي ألقاها أمام المشاركين على بعد اللغة الأمازيغية كمكون أساسي للهوية الوطنية، جنباً إلى جنب مع المكونات الأساسية الأخرى التي تتلخص في اللغة العربية والبعد الروحي الإسلامي، فضلاً عن السجل التاريخي العام بمختلف مراحله والذي توج بالثورة التحريرية الجزائرية المعاصرة.

في هذا السياق، يرى محللون متخصصون في القضية الأمازيغية اللغوية والثقافية أن الزيارة المشتركة التي قام بها معاً وزير الاتصال محمد مزيان ممثل الحكومة والهاشمي عصاد أمين عام المحافظة السياسية للغة الأمازيغية الى مدينة باتنة، التي تعتبر معقل أمازيغ منطقة الأوراس والتي انطلقت منها ثورة 1954 التحريرية ضد الاستعمار الفرنسي، تدخل عملياً في إطار الاحتفاء بالتراث الثقافي واللغوي لمنطقة "الشاوية" التي تدعى عادة "الأوراس ".

وفي الحقيقة، فإن هذا اليوم الدراسي قد تزامن مع سيل السجالات الخلافية التي دارت على مستوى وسائط التواصل الاجتماعي حول اللغة الأمازيغية ومصطلح الأمازيغ معاً، ويلاحظ أن هذه السجلات لا تزال تتخللها تناقضات حيناً ومماحكات حيناً آخر بين فسيفساء المجتمع المدني نفسه، وتعلن في الغالب عن سوء الفهم أو التعصب حيال الثقافة الأمازيغية ووعائها اللغوي إذ  أن هناك من يعتبر اللغة الأمازيغية ركناً أساسياً من أركان الهوية الوطنية والتاريخ الجزائري كما يوجد هناك من يرى في ترسيمها خطراً على وحدة الجزائر.

ومن جهة أخرى، يرى عدد من السياسيين والإعلامين الجزائريين أن مرافقة أمين عام المحافظة السياسية للغة الأمازيغية لوزير الاتصال محمد مزيان، والإشراف معاً على سير أشغال هذا اليوم الدراسي المكرس للإعلام بالأمازيغية، محاولة لقطع الطريق على أولئك الذين يشككون في وجود التوافق المنسجم بين السلطة السياسية التي تمثلها وزارة الاتصال وبين المجتمع المدني الذي تمثله المحافظة السياسية السامية للغة الأمازيغية حيال هذه اللغة بمختلف لهجاتها. ومن جهة أخرى، هناك أيضاً من يعتبر انعقاد هذه الندوة في عاصمة الأوراس الأمازيغية وتحديداً في جامعتها بمثابة ربط للغة الأمازيغية في طبعتها "الشاوية الأوراسية" بتراث حركة التحرر الوطني الجزائري.

في هذا السياق رأى ناشطون سياسيون في حضور وزير الاتصال أشغال اليوم الدراسي "الإعلام بالأمازيغية في الجزائر... تثمين للتجربة واستشراف المستقبل"، رسالة نقدية مشفرة وموجهة حصرياً إلى العناصر التي لا يعجبها ترسيم هذه اللغة في دستور البلاد وخصوصاً أنهم كانوا ولا يزالون يعتبرون هذا الترسيم مجرد هبة سياسية تصدق بها الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة على الأمازيغ لتمرير عهدات انتخابه رئيساً للبلاد.

ولكن رغم الجهود الإيجابية المبذولة حتى الآن على صعيد تدريس الأمازيغية وترسيمها كلغة وطنية وتأطيرها وتدريسها في المنظومة التعليمية، ورغم إنشاء الإذاعات والفضائيات التلفزيونية بهذه اللغة، والتي لا تزال كلها شفوية بحيث لا توجد حتى الآن في الجزائر صحافة أمازيغية مكتوبة ومتعددة الاختصاص، يلاحظ أن المشكلة الكبرى التي لم تخضع حتى الآن للحوار الجاد وللبحث العلمي المتواصل تتمثل في عدم جمع التراث الثقافي والأدبي والفني الأمازيغي وتصنيفه ثم نفخ الحياة فيه، وهناك تقصير آخر يتمثل في عدم تأسيس كتابة دولة متخصصة في الثقافة الأمازيغية، تتكفل لمَ شمل الباحثين المتخصصين في اللغة وفقهها ودعمهم لإيجاد الحلول التي تفضي إلى خلق محيط لغوي أمازيغي، وكذلك ترسيم حروف هذه اللغة وتوحيد لهجاتها المتنوعة تدريجاً عبر البلاد ثم القيام بترقيتها إلى مصاف "العالمة الواصفة" التي تتمتع بالمفاهيم والمصطلحات الفكرية والأدبية والعلمية والتقنية والقواعد النحوية والصرفية والبلاغية.