.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
التأمت ثم انفضت ولم يتغير شيء.
عقدت القمة العربية الرابعة والثلاثون في بغداد دون اكتراث من الشارع العربي، ولم تخلُ الكلمات من العبارات المكررة حول دعم القضية الفلسطينية، ورفض الاعتداءات الإسرائيلية، والدعوة للوحدة ومكافحة الأزمات، غير أن الواقع العربي، كما هو، ظلّ يطلّ من خلف الستار: هشأً، مضطرباً، وعاجزاً عن تنفيذ ما يُعلن، إذ لم تعد القمم العربية سوى مرآة ناطقة لحال الأمة، وغالبية الدول المشاركة تعاني من هشاشة اقتصادية، وانشغال أمني داخلي، وانقسامات سياسية تجعل من الإجماع العربي أمنية إن تحققت تكون بلا آليات للتنفيذ، حتى بات من المعتاد أن تصدر القمم قرارات كبيرة، ولا يتبعها سوى صدى إعلامي، دون تنفيذ فعلي أو تأثير ملموس.
جاء البيان الختامي للقمة حافلاً بالإدانات والمناشدات ومطالبات من أطراف أخرى، غير عربية، فلم يخرج، في جوهره، عن إطار البيانات التقليدية التي تصدر عقب كل قمة، رغم فداحة المأساة التي يعيشها الشعب الفلسطيني تحت القصف والتجويع وخطر التهجير، في وقتٍ تُسابق فيه إسرائيل الزمن لفرض وقائع ميدانية على الأرض، تشمل التهجير القسري والاستيطان، وسط دعم دولي وانكفاء عربي.
واقع الظروف الدولية والإقليمية، وحتى في الداخل العربي، وضع المعضلات أمام القمة، ففي قلب المعادلة، تقف الولايات المتحدة كقوة داعمة لإسرائيل بلا سقف، تُعطل أي جهد عربي للضغط أو التأثير، وتمنح إسرائيل الغطاء السياسي والعسكري والديبلوماسي اللازم لتمضي في مشاريعها العدوانية دون حساب، ولعلّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بما أحدثه من تحولات درامية، يُعدّ محطة فاصلة في هذا المسار بعدما غيّر قواعد اللعبة في الشرق الأوسط، كذلك هناك القوانين الدولية التي تحوّلت إلى أدوات انتقائية، تُمنح لإسرائيل وتُسحب من الفلسطينيين، وبدلاً من الضغط على المعتدي، أصبح اللوم يُلقى على الضحية.
وبينما يُمعن الخارج في خنق القضية الفلسطينية، فإن الداخل العربي لم يكن أقل قسوة، بعدما لعبت تنظيمات متأسلمة كالإخوان المسلمين دوراً تخريبياً، استغلت القضية لتحريض الشعوب على الحكومات، وتحويلها من قضية تحرر إلى أداة شقاق وفوضى. وبذلك، تحوّل العدل المنشود إلى فتنة تُؤجّج، لا قضية تُناصر، أما جامعة الدول العربية، فهي لا تملك أن تتجاوز واقعها، لأنها ببساطة صورة مكبّرة للبيت العربي الممزق، لا قرارات تُنفّذ، ولا مواقف تُحقق آمال الشعوب، وكلما ارتفع الصوت في البيان الختامي، انخفض الأمل في اليوم التالي.
في ظل هذا الوضع العربي، والانشغال الداخلي الذي يطوّق معظم العواصم، تبدو قدرة العرب على التصدي لخطة تهجير الفلسطينيين مثيرة للمخاوف، فالمواقف الرافضة تُقال في القاعات، لكن لا أدوات ردع، ولا أوراق ضغط، وإسرائيل، التي تمضي قدماً في مشروعها الاستيطاني والتهجيري تحت غطاء أميركي كامل، لا تواجه من القمة العربية سوى ببيان نمطي فقد زخمه وتأثيره، بينما المنع الحقيقي لأي خطة تهجير يحتاج إلى وحدة موقف، وتحرك إقليمي منسق، واستعداد لتحمّل التبعات السياسية والاقتصادية، وهي أمور لا تبدو متوافرة في هذه اللحظة العربية المأزومة، وإن لم يُسجّل التاريخ قدرة العرب على وقف التهجير، وليس مجرد مطالبات أو حتى رفض دون قدرة على فرضه واقعياً، فسيسجّل عليهم أنهم كانوا شهوداً صامتين على جريمة مكتملة الأركان.
في زمنٍ غير بعيد، كانت غارة إسرائيلية واحدة على مدينة فلسطينية، أو أي مدينة عربية، كفيلة إشعال الشوارع العربية بالغضب، تخرج الجماهير بالآلاف، وتهتز الميادين، أما اليوم، فيُقتل الفلسطينيون يومياً، وتُقصف المدن وتُدفن العائلات تحت الركام، ولا يتحرك الشارع العربي إلا نادراً، وبخجل بسبب الإنهاك الشعبي بفعل الأزمات الداخلية المتراكمة، من الغلاء، والبطالة، وباقي الأزمات الحياتية، ثم جاءت آلة الإعلام الموجّهة لتشوّه وعي الأجيال الجديدة، وتزرع الشك في ثوابت القضية، فبات البعض ينظر إلى فلسطين كملف مزمن لا كقضية مركزية. أضف إلى ذلك، ما سبّبه استغلال الجماعات والتنظيمات المتطرفة كالإخوان وغيرهم للقضية، حين رفعوها شعاراً للفتنة لا للحرية، فربط الناس بين دعم فلسطين والفوضى، وبين الغضب الشعبي والخراب، وهكذا، تقهقرت فلسطين من صدارة الوجدان العربي إلى هوامشه، ليس لزوال المأساة، بل لعمق الجروح في الداخل العربي نفسه، وما لم يتغير في العالم العربي ليس بلاغة الخطاب فحسب، بل القدرة على الفعل تبدو القمم العربية طقوساً سياسية أكثر منها أدوات تغيير واقع مؤلم.