جردة حساب أولية "لانتصارات" الميليشيات "الثورية"

كتاب النهار 12-05-2025 | 00:59
جردة حساب أولية "لانتصارات" الميليشيات "الثورية"
بعدما وصل مشروع الميليشيات "الثورية" إلى حضيضه، لا تزال هذه القوى تنازع بشكل خطر. وثمة قوى داخلية وخارجية واسعة ليس لها مصلحة في نجاح مشروع الدولة الوطنية.... لكن هذه المرة ثمة مختلف.
جردة حساب أولية "لانتصارات" الميليشيات "الثورية"
الصراع لا يزال مستعراً بين مشروع الدولة المدنية، ومشروع الميليشيات "الثورية" (أ ف ب)
Smaller Bigger

قيل إن "الطريق إلى جهنم مفروش بذوي النوايا الطيبة"! أما وقد وصل مشروع الميليشيات إلى حضيضه التاريخي، فهل تكون تحولات الإقليم خاتمة للعنة الرعاع "الثوريين" وبداية لنهوض متماسك لمشروع الدولة الوطنية في العالم العربي؟

تاريخياً، حيثما فشلت الدولة في تأسيس عصبيتها الوطنية الجامعة، وحيثما فشلت في تكريس شرعيتها الوطنية، كدولة-أمة، أمة سورية، لبنانية، عراقية، فلسطينية، أقول حيثما فشلت، ازدهر الرعاع وتداعت الأمة نحو قعر التاريخ.

رغم مرور أكثر من سبعة عقود على استقلال دول مشرقنا العربي، وما تلى الاستقلال من محاولات عسيرة لبناء الدولة الوطنية، لا يزال الصراع مستعراً بين مشروع الدولة المدنية، ومشروع الميليشيات "الثورية" ودولها المافيوية.

في باكورتها، قدمت الميليشيات "الثورية" نفسها، بديلاً للدولة الوطنية المدنية، كأداة تحررية في مواجهة الاستبداد والقوى الخارجية. وقدمت نخبها كنبلاء مثاليين، وأبطالاً شجعاناً. لكن سرعان ما تحولت تنظيماتهم ودولهم الميليشيوية "الثورية" إلى دكتاتوريات عقائدية، تبلطج على الدولة ذاتها، تنهب وتقتل، باسم الأهداف والرسائل الخالدة.

ليس هذا فحسب، بل تحوّل المشروع الاقتصادي للميليشيات "الثورية" مشروع شفط لريع الموارد الطبيعية، وإبداع في إدارة الاقتصاد الرمادي والأسود، لتمعن الميليشيات في نخر الدولة، حتى وصلت في بعض البلدان إلى حافة التفكك والاضمحلال.

تتشارك الميليشيات "الثورية"، ودولها على اختلاف مشاربها، السنية أو الشيعية؛ الإسلامية أو "العلمانية" جملة من الصفات، إذ يجمعها عداؤها المستبطن للدولة والشرعية الوطنية المدنية! وسواء كان هذا العداء بذريعة رفض لسايكس بيكو، أو غيره أو جاء باسم تحرير فلسطين، أو الوحدة العربية، أو الخلافة الإسلامية، رغم كل تناقضاتها، تشاركت هذه الميليشيات "الثورية" في حربها الشعواء على الدولة الوطنية، واستبطنت تخوينها ونخرت في جذورها حتي الصميم، لتصير، فالدولة، في نظر هذه الميليشيات الطفيلية، ليست سوى مجرد جسر عبور مؤقت نحو أوهامها العقائدية. وكانت حربها على الدولة الوطنية بذريعة انتصارات تاريخية موعودة!

وبعد سبعة عقود، ما هي الانتصارات التي حققها المشروع الميليشيوي الإقليمي على مختلف تلويناته؟

1. نجح المشروع الميليشيوي في تقسيم الدولة الوطنية. نعم تقسيمها وتدميرها في العديد من الدول؛ فالدول الثورية الميليشيوية لا تقبل بتحويل الدولة لسلطة لامركزية أو فيديرالية تشاركية. إنها لا تطيق التعددية ولا المشاركة الفاعلة للمكونات، بل تريد تكريس دولة شمولية تكرس "الانسجام العقائدي" المصمت، حتى لو كانت كلفة ذلك تقسيم البلاد!

فبذريعة الحفاظ على الهوية والسلطة الإسلامية، قبلت طواعية السلطات "الثورية" في الخرطوم بتقسيم السودان، لينفصل الجنوب المسيحي عن الشمال "الإسلامي"، لمجرد كونها تصر على تطبيق الشريعة الإسلامية، ورفضها للتعددية العقائدية والفيديرالية.