العراق وتحدي الأنشطة الخبيثة...

كتاب النهار 01-05-2025 | 03:05
العراق وتحدي الأنشطة الخبيثة...

تريد بغداد تحقيق الفصل بين الملف الإيراني والملف العراقي، وأن لا تصبح ورقة تفاوض أو جزءاً من صفقة أو جزءاً من صدام مع إيران...

العراق وتحدي الأنشطة الخبيثة...
الجانب السياسي كان متقدماً من ناحية الأولوية في لقاءات حسين (أ ف ب)
Smaller Bigger

تحت ضغط الملفات والرغبة في تحقيق تواصل مباشر مع إدارة دونالد ترامب، أجرى وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين أول زيارة لواشنطن في الولاية الجديدة للرئيس الأميركي، في نيسان/ أبريل 2025، التقى خلالها نظيره ماركو روبيو.

ركز حسين على إقناع القاطنين الجدد للبيت الأبيض بأن حكومة محمد شياع السوداني تمتلك الرغبة الكاملة في العمل معهم، خصوصاً أن هذه الزيارة جاءت من ناحية التوقيت مع قرب تعيين مسؤول للملف العراقي وطرحه لخطة واشنطن حيال العراق، فضلاً عن أن الزيارة تتزامن مع قرب انتهاء الأمر التنفيذي الذي يصدره الرئيس الأميركي سنوياً لحماية الأموال العراقية المودعة في البنك الفيدرالي الأميركي، والذي ينتهي منتصف أيار  / مايو الحالي، واحتمال رفع عدد المصارف العراقية المعاقبة من وزارة الخزانة الأميركية من 37 إلى 69 مصرفاً، والإبقاء على عدد محدود منها للعمل، بعد اتهامات طاولت مؤسسات مالية عراقية متورطة في تهريب الدولار إلى إيران، ومن ضمنها أيضاً شركات بطاقات الدفع المسبق؛ إذ وجد فريق متابعة الأصول المالية الأميركي أن جزءاً من هذه الشركات كان هدفاً لنشاط الذين يريدون الالتفاف على العقوبات المفروضة على إيران، في وقت يعتقد البنك المركزي العراقي أن عملية تصحيح وضعها تحتاج إلى مزيد من الوقت لغرض تنظيم هذه العملية، لأن هناك تلويحاً أميركياً بإيقاف التعامل بالتحويلات من خلال هذه الآلية، مع محاولة الوفد العراقي وقف حزمة من العقوبات تطاول عدداً من الكيانات والشخصيات وقادة الميليشيات العراقية، مما قد يتسبب باهتزاز للاستقرار السياسي الهش.

ورغم هذه الملفات المالية الضاغطة، فإن الجانب السياسي كان متقدماً من ناحية الأولوية؛ فالسوداني يعوّل كثيراً على وزير خارجيته لتحقيق اختراق لطاقم ترامب المعبأ ضد المعادلة التي جاءت به إلى رئاسة الوزراء، من خلال طلب زيارة البيت الأبيض لإثبات نياته غير المعارضة للسياسات الأميركية حيال العراق أو إيران والمنطقة، ليصبح حليفاً أو صديقاً موثوقاً به أولاً، واستغلالها لرفع منسوب رصيده أمام حلفائه في الإطار التنسيقي وإيران، وكذلك محاولة حكومته أن تظهر لأميركا أن العراق بلد ذو سيادة وغير خاضع للنفوذ الإيراني، وذلك بسبب أن كل المؤشرات من ترامب وطاقمه تؤكد بأنهم لا يفصلون العراق عن إيران، ولذلك تريد بغداد تحقيق هذا الفصل بين الملف الإيراني والملف العراقي، وألا تصبح ورقة تفاوض أو جزءاً من صفقة أو جزءاً من صدام مع إيران.

مع كل هذه الرغبة العراقية في البدء بمسار جديد، إلا أن لصقور ترامب رأياً آخر ظهر من خلال تصريحات روبيو التي ذكّر فيها بضرورة أن يكون العراق بلداً مستقلاً وذا سيادة وخالياً من "الأنشطة الخبيثة"، في إشارة إلى إيران والجماعات المسلحة، وهو ما قد يُفسر بأن واشنطن ملتزمة هذا الشرط من دون تراجع؛ فإنهاء النفوذ والهيمنة الإيرانيين في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية واعتبار ما تقوم به طهران في العراق على أنه نشاط خبيث لم يتغير في السردية الأميركية، سواء في ولاية ترامب الأولى أو في عهد جو بايدن، وتجددت مع عودة ترامب للرئاسة، مما يمثل تحدياً للسوداني الذي لا يزال جزءاً من المجموعة الشيعية الحليفة لإيران، وكذلك صعوبة أن تتخلى حكومته عن ارتباطاتها في عدد من الملفات مع طهران، مع عدم قدرته على تفكيك سلاح الميليشيات ووقف تهريب الدولار، كما لم تحقق الحكومة أي تقدم بملف المخطوفة الإسرائيلية في العراق إليزابيث تسوركوف، والتي كان الإفراج عنها من المطالب الملحة من الإدارة الأميركية.

على الأرجح، فإن الولايات المتحدة الأميركية لن تسمح من جديد باستمرار هيمنة إيران على العراق، وهي في أضعف لحظاتها، وستضع ملف إنهاء تأثيرات الحرس الثوري الإيراني أساساً لصدقية الحكومة الحالية أو المعادلة السياسية المقبلة، وهذا ما يدركه السوداني الذي يجد أن القبول بهذا الاشتراط يعدّ نهاية لمستقبله السياسي وتحدياً أمام العلاقات بين بغداد وواشنطن وكذلك بالنسبة الى صورة العراق خارجياً، لذا سيكون مضطراً إلى الارتهان لتطورات المفاوضات الأميركية - الإيرانية أو لقرارات تنفيذية من الرئيس ترامب تنهي تلك الأنشطة الخبيثة.