.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
التقى عبدالفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة السوداني الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في القاهرة، الإثنين الماضي، في إطار حالة التفاهم والتنسيق بينهما، إزاء أبرز التحدّيات في الإقليم، خصوصاً الحرب في السودان، التي دخلت عامها الثالث، وتضرب الأمن القومي للبلدين في مقتل!
ترتبط القاهرة والخرطوم بعلاقات أزلية، وكانتا بلداً واحداً في فترات طويلة من التاريخ. لذلك تبذل مصر جهوداً حثيثة لوقف الحرب في السودان، ولمساندة شعبه في صياغة مستقبل بلاده، وتقديم كلّ الدعم له، لتجاوز هذه المرحلة الحاسمة التي تهدّد بتمزيقه إلى دويلات متحاربة، بينما العالم مشغول بأوكرانيا وغزة ونووي إيران وحروب ترامب التجارية.
تتواصل مظاهر الصراع، بسبب الحسابات الخاطئة وتعارض المصالح بين الطرفين المتحاربين الأساسيين، الجيش السوداني وميليشيا الدعم السريع، وهما بعيدان عن الحسم النهائي للمعارك أو تسوية الأزمة سياسياً. حقق الجيش انتصارات في الخرطوم، مما دفع الدعم السريع إلى التخندق بدارفور غرباً. أعلن محمد حمدان دقلو "حميدتي" قائد الدعم السريع- قبل أيام- تشكيل "حكومة موازية"، تتضمن نموذج حكم لا مركزياً، يُمكّن الولايات من حكم نفسها، لافتاً إلى اعتزامه سك عملة جديدة للبلاد، مما ينذر بتمزيق النسيج الوطني، وهناك قطاع من النخب المدنية والحركات المسلّحة تؤيد طرح حميدتي. وقد عبّر ستيفان دوجاريك الناطق باسم الأمم المتحدة عن القلق من احتمالات تفكك السودان.
إن تفتيت السودان سيكون نتاجاً للفشل في إدارة تنوّعه الباذخ. وما الحرب في دارفور، جبال النوبة، جنوبي كردفان، النيل الأزرق، والشرق، غير مظهر لعدم احترام التنوع، وغياب الحكم الرشيد.
التدخل الخارجي عامل أساسي في تفاقم الكارثة. أشعلت قوى إقليمية ودولية الحرب بأدوات داخلية، تديرها بنظرية "إعطاء الحرب فرصة"، أي تركها مستعرة حتى تنهك المتحاربين وتنضج الثمرة. عملت مجموعة دول على دعم ميليشيا حميدتي للسيطرة على أكبر قدر من ثروات البلاد، بينما يعاني الجيش السوداني الفساد والسلطوية. أما النخبة المدنية فهي منقسمة، في ظل أطماع كل طرف في الاستفراد والإقصاء، حتى صار كيان الدولة في مهب الريح.
يدفع الشعب السوداني ثمناً فادحاً للصراع الفج على السلطة والتعقيدات المحيطة بالمشهد. لن تتوقف نظرية الدومينو في تقسيم السودان عند دارفور، وفق ما يتوقع البعض، لكنها سوف تتوسع إلى الشرق وبقية الحوافّ، ليتقزّم السودان، أو يدخل في نفق "النموذج الصومالي"، أي انهيار الدولة وتوسع التهديدات الأمنية، إلى أنحاء الإقليم. ما يثير الأسف أن دولاً، كبرى وصغرى، تمدّ يدها للإمساك بقلب السودان، تحرّك البيادق على رقعته، توفر غطاء سياسياً وإعلامياً وإغاثياً لتقوية الميليشيات، وإضعاف الجيش، وإطالة أمد الصراع. العرب وكلّ العجم لا يغيبون عن الساحة، وهم في حالة اصطفاف مع هذا الطرف السوداني أو غيره، بالرعاية السياسية والدعم المادي والإسناد العسكري، لخدمة مصالح جيوسياسية واقتصادية، مما يهدّد استقرار السودان ودول الجوار. هذه المصالح هي التي قد تحوّل السودان إلى ركام من الرماد والجماجم والعظام!
على الرغم من فظاعة الحرب، فإن الجهود الدولية لإخمادها باهتة. لا مبادرات للحل سوى جهود غير موفقة لإقناع الطرفين بهدنة هشّة. ومع ذلك تحاول مصر إطفاء الحريق، بالتعاون مع قوى عربية وأفريقية ودولية. ترى القاهرة أن الوضع المتفجّر، وشبح التقسيم أكبر حافز للعمل من أجل السلام، والضغط على جميع الأطراف للخروج من جحيم الحرب، بخاصة أن طائرات الدعم السريع "المسيّرة" طالت، خلال الأيام الماضية، محطات كهرباء، وسدوداً للمياه، كما لوّح "الدعم" بنقل الحرب إلى الولاية الشمالية قرب الحدود المصرية. إلى ذلك، تزامنت زيارة البرهان للقاهرة مع هواجس مصرية من إقامة قاعدة عسكرية روسية في السودان. تدفع الولايات المتحدة لمزيد من العسكرة في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، في ظلّ أطماع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الهيمنة على الممرات المائية في المنطقة، بخاصة قناة السويس.
على الصعيد نفسه، يسيل لعاب الرئيس الأميركي للمعادن النادرة في أفريقيا، خصوصاً في أغنى دولتين بالمعادن والثروات في القارة، الكونغو والسودان، وكلاهما تشهدان صراعات شديدة الخطورة على وجودهما وعلى جوارهما، في ظل التزاحم بالمناكب على أفريقيا، كما وصفه جوزف كونراد في روايته "قلب الظلام"!
لا يمكن للخرطوم الانتصار في معركة البقاء أو الوصول إلى تسوية من دون دعم القاهرة، مثلما تدرك القاهرة أن أمنها القومي في خطر داهم، من دون تنسيق مع الخرطوم، بشأن مياه النيل التي تعمل إثيوبيا على الهيمنة عليها، بواسطة سدّ النهضة، أو البحر الأحمر المزدحم بالأخطار؛ لذلك يعوّل السودان على دور أكبر لمصر في وقف الحرب، عبر تنشيط مبادرة دول الجوار، وتوفير الدعم والمساعدات للسودانيين في مناطق الحرب، وتسهيل عودة اللاجئين منهم إلى وطنهم، والمشاركة في إصلاح البنية التحتية. من هنا، كانت زيارة البرهان إلى القاهرة، والتي سبقتها زيارة خاطفة قام بها حسن محمود رشاد مدير المخابرات المصرية إلى بورتسودان، للهدف نفسه.