.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
ثمة استحقاق يواجهه النظام الإيراني، الذي باتت خياراته ضيقة وصعبة ومعقدة
يمكن اعتبار إيران بمثابة الخاسر الأكبر في جملة التحولات والتداعيات الناجمة عن "طوفان الأقصى"، فهي خسرت القوى الميليشيوية التي نمّتها ودعمتها، مالياً وعسكرياً، طوال العقود الأربعة الماضية. وفضلاً عن ذلك فقد خسرت نفوذها الإقليمي، وممرها إلى لبنان، بعد انهيار النظام السوري، كما خسرت صدقية ادعاءاتها عن "وحدة الساحات"، وعن قدرتها على هزيمة إسرائيل في ظرف أيام، بل إن إجراءها مفاوضات مع الولايات المتحدة يُبين، أيضاً، خواء، أو زيف، شعاراتها عن "الشيطان الأكبر"، وعن مقاومة الاستكبار العالمي.
فوق كل ذلك فإن إيران التي ظلت تتذرّع بـ"الصبر الاستراتيجي"، وحنكة حائك السجاد، من خلال تشغيل أذرعها الميليشيوية كحيطان صدّ، تجنّبها مغبّة الاشتباك المباشر مع إسرائيل أو مع الولايات المتحدة، باتت مستهدفة في عقر دارها، بعدما وجهت إسرائيل ضربات قاسية لها، في مناطق نفوذها في لبنان وسوريا، وحتى في إيران ذاتها.
ثمة أربع مسائل تشغل إسرائيل، والولايات المتحدة؛ الأولى، الحؤول دون وصول إيران إلى عتبة امتلاك قوة نووية، علماً أن مستشار الأمن القومي الأميركي مايك والتز، أكد أن واشنطن تطالب بتفكيك البرنامج النووي الإيراني بالكامل، وليس مجرد الحد من تخصيب اليورانيوم. والثانية، تقويض قوتها الصاروخية، سيما الصواريخ البالستية. والثالثة، إنهاء الميليشيات التي تشتغل كأذرع إقليمية لها في لبنان وسوريا والعراق وصولاً إلى اليمن، ما يعني إنهاء نفوذها الإقليمي خارج حدودها... والرابعة، احتفاظ إسرائيل بموقعها المهيمن في بلدان المشرق العربي.
هذا يعني أن الاستهداف الأميركي والإسرائيلي لإيران يتوخّى، فقط، تحجيم هذه الدولة وإعادتها إلى خلف حدودها، لا أكثر من ذلك، لسبب مفاده أن الطرفين الأميركي والإسرائيلي ما زالا يراهنان على ترويض إيران، والاستثمار فيها، كما جرى في العقود الماضية، في تخريب وتصديع البنى الدولتية والمجتمعية في المنطقة، كاحتياط لمراحل مقبلة، كأداة ابتزاز إزاء الأطراف العرب، وتركيا.
ولا يخرج عن هذا الخط، أو الاعتقاد، ما قصده الرئيس دونالد ترامب، أخيراً، عن أن بلاده "ستتخذ قراراً بشأن إيران على نحو سريع للغاية"، مع منحه شهرين لإيران للتوصل إلى اتفاق، أو للاستجابة للشروط الأميركية ـ الإسرائيلية، وهو المغزى من المفاوضات التي جرت في سلطنة عمان، والتي ستجري السبت في العاصمة الإيطالية روما، على رغم كل الضجيج المتعلق بمرابطة حاملات طائرات وبوارج أميركية في الخليج العربي، وفي البحر الأبيض المتوسط، والتي يأتي ضمنها طائرات قصف استراتيجية من طراز B52، التي يمكنها إلقاء كميات كبيرة من القنابل، بما في ذلك القنابل المخترقة للتحصينات، مع تأكيد وزير الدفاع الأميركي أن "جميع الخيارات مطروحة على الطاولة، وحان الوقت لإيران للتخلي تماماً عن طموحاتها النووية".
طبعاً، يمكن الحديث هنا عن رأي آخر لإسرائيل؛ فهذه الدولة التي باتت في مرحلة التوحش، في ظل حكومتها اليمينية المتطرفة، لم تعد تحسب أي حساب للمفاوضات مع أي طرف مهما كان شأنه، لذا فهي تأخذ على الإدارة الأميركية مرونتها إزاء إيران، وأن أي حل معها يفترض أن يبدأ من توجيه ضربة عسكرية قاصمة لبرنامجها النووي، باعتبار ذلك هو السبيل الوحيد لترويضها، ووضعها عند حجمها.
في هذا الإطار، يرى المحلل الإسرائيلي يوآف ليمور بأن إسرائيل "تقترب من نقطة الحسم بالنسبة لإمكانية الهجوم على المنشآت النووية في إيران، وذلك على خلفية التقدم المقلق في عناصر مختلفة من المشروع النووي، والفهم بأن هذه ساعة مناسبة على خلفية الضعف النسبي لإيران والتنسيق الوثيق مع الإدارة الأميركية الجديدة... فبعد هجوم الصواريخ الإيراني الأول، في نيسان / أبريل 2024 ردت إسرائيل بضربة موضعية لرادار إحدى بطاريات الدفاع الجوي في إيران. كانت هذه إشارة، لكنها لم تلتقط في طهران. بعد هجوم الصواريخ الثاني، في تشرين الأول / أكتوبر 2024، عملت إسرائيل بشكل واسع ضد منظومات الدفاع الجوي في إيران، وعمليات تركتها "عارية" بمفاهيم عديدة، وبذلك سمحت لسلاح الجو بمجال عمل واضح ("يديعوت"، 1/3/2025). وكان وزير الدفاع الإسرائيلي السابق (المعزول) يوآف غالانت أكد ذلك في تصريح لصحيفة "واشنطن بوست" الأميركية (2024/12/15) باعتبار أن الهجوم الإسرائيلي ضد إيران يوم 26 أكتوبر 2024... أوجد "نافذة فرص" للتحرّك ضد هذه الأخيرة ومنعها من إنتاج سلاح نووي. كان هذا الهجوم الإسرائيلي "محسوباً ويهدف أكثر شيء إلى ترك إيران من دون حماية ضد أي هجوم مستقبلي". ومعلوم أن ذلك الهجوم شاركت فيه 120 طائرة عسكرية، وتم فيه استهداف رادارات الدفاع الجوي، والبطاريات المضادة للطائرات التي تحمي طهران، بالإضافة إلى المصانع الرئيسية التي تنتج الوقود للصواريخ الباليستية الإيرانية.
يستنتج من كل ما تقدم أن ثمة استحقاقاً يواجهه النظام الإيراني، الذي باتت خياراته ضيقة وصعبة ومعقدة، فهو مع الضعف الاقتصادي والعسكري والعزلة السياسية، بات في سباق ما بين الخيارين التفاوضي والعسكري، إذ النتيجة واحدة، وهي الرضوخ لإنهاء البرنامج النووي والصاروخي، وإنهاء النفوذ الإقليمي، أي تموضع إيران خلف حدودها فقط.
أما الخيارات الأخرى، العسكرية، في حال ذهب النظام الإيراني لها، فستكون عواقبها وخيمة عليه وعلى إيران ذاتها.