.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
لم تنجح حملة "إزالة" ألبانيز وإبعادها عن مهمتها، رغم شراستها. كانت تلك إشارة عميقة إلى أن الأمور لم تعد بتلك السهولة، وأن ثمة ما يمكن تغييره...
كان المشهد مبكراً في الأسابيع الأولى للاجتياح البري لغزة. لم تكن مصطلحات مثل "الإبادة" قد أخذت طريقها إلى وسائل الإعلام الغربية. كان العالم الغربي يواصل الدوران في الحملة التي ضخّها مكتب "نتنياهو" حول "الفظائع" التي ارتكبها الفلسطينيون في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، والتي شكّلت غطاء مزدوجاً لتحشيد الرأي العالمي وشرعنة الإبادة من جهة، وتتويه الشارع الإسرائيلي عن البحث ومطاردة "المقصّرين" من النخبة الحاكمة وإغراقه في نزعة الانتقام من غزة من جهة ثانية. في ما بعد، سيكتشف الرئيس الأميركي السابق بايدن أن الصورة التي وصلته من مكتب نتنياهو ليست لطفل أحرقه الفلسطينيون وإنما لكلب بعد تدخل الذكاء الصناعي، وأن ليس ثمة رؤوس مقطوعة ويهوديات مغتصبات...
المشهد المقصود جرى خلال مؤتمر صحفي صغير من عشرات المؤتمرات التي تعقدها "المقررة الخاصة للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة" فرانشيسكا ألبانيز. ليست قاعة كبيرة، وهناك الكثير من المقاعد الفارغة، صحفي إنكليزي يجلس وحيداً في الصف الأمامي. الصحفي يبدو مصدوماً من تصريح المقررة الأممية، مما دفعه لمقاطعتها، ربما في محاولة لإرباكها، أو كمن التقط نقطة ضعف يمكن عبرها النفاذ إلى دفع المتحدثة للتراجع:
-أنت تلمحين إلى أن الجيش الإسرائيلي ينفذ ما يشبه "إبادة جماعية" في غزة...
-لا ألمّح. أنا أقول إسرائيل ترتكب "إبادة جماعية" ضد الفلسطينيين المدنيين في قطاع غزة.
تبقى اللكنة الإيطالية في نطق الإنكليزية عالقة ومحببة في حديث ألبانيز، وفي طغيانها تبدو متعمدة، وهي، اللغة، تنحني أمام إشارات التعبير التي تتجاوز المفردات الإنكليزية الباردة، وتسلك طريقاً تفيض بإشارات تؤكّدها طبقة الصوت وحركة اليدين كما لو أنها لغة موازية لن يكتمل المعنى من دونها.
منذ البداية كان واضحاً انزياح خطاب ألبانيز عن الخطاب الديبلوماسي المبهم المتداول للمتحدثين باسم المنظمة الدولية، الممتلىء بـ"القلق" و"ترقى إلى (...)"... إلى آخر هذه التعابير التي لا تتفق مع مهمة ودور من كلفوا بمهمة الحراسة للقيم الأخلاقية وحقوق الإنسان البسيطة. ذهبت مباشرة إلى تعريف الأشياء من دون المرور على تأتأة المتحدثين، و"حذرهم" القادم من خارج مهمتهم الحقيقية، ومن مخاوف مهنية في الأغلب، أو من المبالغة في الحياد والمواربة الذي يطغى على عمل الناطقين الدوليين، وهو ما يتناقض بقوة مع جوهر مهمتهم.