أية علاقة هي بين حرب الرسوم الجمركية وحرب إيران؟

كتاب النهار 06-04-2025 | 07:25
أية علاقة هي بين حرب الرسوم الجمركية وحرب إيران؟
ما زلنا في مرحلة العد العكسي، إما إلى المواجهة وإما إلى التنازلات. طهران تدرك آفاق حرب الرسوم الجمركية وتداعياتها على أصدقائها وعلى الأسواق، وبالتالي عليها...
أية علاقة هي بين حرب الرسوم الجمركية وحرب إيران؟
إيران هي المحطة… وتشكّل أفضل الخيارات أمام ترامب (أ ف ب)
Smaller Bigger

عَصَفَ الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأُسس النظام الاقتصادي العالمي بإعلانه حرب الرسوم الجمركية على الأصدقاء والأعداء، لفرض التفاوض على صفقات تجارية توقف ما سماه "استغلالاً" للولايات المتحدة "لسنوات كثيرة"، وذلك عبر "عملية جراحية" ضخمة هزّت اقتصاد الدول وكبريات الشركات والبورصة العالمية، بما فيها البورصة الأميركية.

من المبكر الحكم إذا كان رهان ترامب فعلاً مفيداً ليس لمبدأ "لنجعل أميركا عظيمة مجدداً" فحسب، وإنما أيضاً لجهة إجبار دول العالم على إصلاحٍ داخلي أمام زلزال حرب الرسوم والضرائب الأميركية على صادراتها إلى أميركا. إنما من الضروري الآن قراءة التداعيات الجيوسياسية لإجراءات أذهلت العالم وصدمته على رغم تكرار دونالد ترامب تعهده فرضها منذ أكثر من سنة. فما العلاقة، مثلاً، بين حرب الرسوم الجمركية وحرب محتملة على إيران؟

هناك تداعيات موجعة لمجرد إدخال أجواء "الضبابية" uncertainty إلى عالم الاقتصاد والمال تزداد تفاقماً إذا كان قبطان الرحلة الجنونية رئيس الولايات المتحدة الأميركية واسمه دونالد ترامب. هناك شكوك لدى بعض أذكى الخبراء والسياسيين المعنيين بمثل هذه الأمور، وهناك في المقابل يقين، لكن الأساس هو أن في الأمر مشهداً مدهشاً على سائر المستويات والصعد السياسية والاقتصادية في العالم أجمع.

عنوان هذا المشهد هو أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب استدعى القيادات العالمية، الحكومية وغير الحكومية، إلى الخروج من الاسترخاء. فلا شيء بقي معهوداً بل إن المعهود بات عبئاً وثقلاً يمنع التفكير التجددي... بات مكلفاً.

دونالد ترامب يعيد صوغ النظام العالمي. البعض يرى أنه يدمّر النظام العالمي المعهود والذي شكّل صمام أمان، وأنه يفعل ذلك بعشوائية وبصبيانية. البعض الآخر يقول: مهلاً، فكروا مليّاً لأن دونالد ترامب لا يكتفي بتعديل النظام العالمي القائم، وإنما يدفع كل المعنيين إلى التفاوض سريعاً لأن في ذهنه تحقيق رؤية استثنائية لنظام عالمي جديد.

المرحلة الانتقالية في زمن حرب الرسوم والضرائب خطيرة على سياسة ترامب وعلى طموحات الرئيس الأميركي الذي، من جهته، يثق بأن "أسواق المال ستزدهر" وأن "البلاد ستزدهر" إشارة إلى الاقتصاد الأميركي، وأن البورصات ستصحح نفسها، وأن العملية الجراحية نجحت وزال الخطر. شركات التكنولوجيا العملاقة خسرت مئات مليارات الدولارات.

موقع بلومبرغ أفاد في اليوم التالي لإعلان إجراءات ترامب -يوم "التحرير"- بأن أثرياء العالم خسروا 208 مليارات دولار. شركات التكنولوجيا الكبرى المسماة "الرائعات السبع" تأثرت بشكل خاص إذ أدى بيع الأسهم إلى خسارة زادت عن تريليون دولار في السوق بعد إعلان ترامب عن الرسوم المتبادلة الجديدة التي فرضها.

جميع الدول شعرت بالهزة العنيفة، من الصين والهند، إلى آسيا وأوروبا، إلى جيران أميركا، إلى جزر نائية تقطنها البطاريق فقط. إنما ما حدث في أوروبا، مثلاً، هو أن دونالد ترامب أيقظها مجدداً إلى حتمية خروجها من الاسترخاء والاتكالية وجعل الاتحاد الأوروبي يفكّر في الاستقلالية الأمنية- نتيجة عصف ترامب بالناتو- وإعادة اختراع النفس اقتصادياً واجتماعياً.

هذا مفيد لأوروبا، وليس مدمِّراً لها، كما يعتقد البعض. ثم أن الولايات المتحدة ليست على وشك الانسحاب من حلف شمال الأطلسي، كما يخشى البعض. إن ترامب يعيد ترتيب بيت شمال الأطلسي على أساس استمرار التحالف الاستراتيجي، وعلى أُسس أكثر مساواة على صعيد تكلفة التحالف، وأكثر تجددية عند التفكير جيوسياسياً، وأقل تقليدية عند النظر في القضايا الكبرى مثل العلاقة مع روسيا ونحو الحرب الأوكرانية.

الصين لن تتمكن من ملء الفراغ الذي ستترك العاصفة الترامبية دولاً عدة فيه، صغيرة وكبيرة، بسبب الرسوم الجمركية لأن إفرازات هذه الحرب عليها جديّة ومؤذية، أقله للستة أشهر المقبلة. لن تكون الصين قادرة على مهمة إنقاذ الآخرين أو الاستفادة من الغياب الأميركي، كما يروّج البعض. فاقتصاد الصين في انخفاض وشبه أزمة. ثم أن حرب الرسوم الأميركية شديدة الأذى على الصين.

الصين، على الأرجح، ستتجنب الدخول في حرب الرسوم مع أميركا، بل ستحاول القيادة الصينية البحث عن حلول ديبلوماسية مع إدارة ترامب، ذلك أن تكلفة الحرب نفسها ضخمة على الصين. ثم أن دونالد ترامب سيتخذ خطوات سياسية تُؤرق الصين وتقلقها، إذا ما اختارت أسلوب التصدي والمواجهة. والكلام عن تايوان. ترامب سيخلق المصاعب الاقتصادية للصين وسيحاول تطويقها سياسياً وداخلياً، ذلك لأن إفرازات الرسوم الجمركية ستتضمن التأثير في المستوى المعيشي داخل الصين.

جميع الدول ستكون في حال تأهب لدراسة الخيارات وشد الأحزمة والتفكير في إجراءات انتقامية أو في العدول عنها والسعي للتفاوض والديبلوماسية مع إدارة ترامب بدلاً من المواجهة العميقة المكلفة. الهند ستجد طريقها، مثلاً، كذلك ستتمكن أوروبا من التغلب على الصعوبات بسبب الاقتصاد والسوق المحلية الضخمة. المكسيك ستعاني وكذلك كندا ستدفع ثمناً. أما اقتصاد الشرق الأوسط ومنطقة الخليج، فإنه يعتمد على ماذا سيحدث في المواجهة الأميركية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية. فلنتحدّث عن العلاقة بين حرب الرسوم وحرب إيران.

الرئيس ترامب، في مغامرته بحرب الرسوم وعلى رغم ثقته بنجاحها وانتهائها بما يضمن استرجاع أميركا عظمتها وازدهارها، فإن هناك إمكانية لفشل المغامرة وتحوّل الحلم إلى كابوس لسياسات ترامب، والرئيس الأميركي يدرك ذلك.

وبالتالي، إن دونالد ترامب سيحتاج إلى فوزٍ وانتصارٍ سياسيين لتعويض خسارته المحتملة نتيجة حرب الرسوم. إيران هي المحطة.

إيران تشكّل أفضل الخيارات أمام ترامب سواءً انتهت العلاقات المتوترة إلى تفاهمات جديدة نوعياً تسفر عن تنازلات إيرانية ملموسة وواضحة، أو انتهى التوتر إلى مواجهة عسكرية. فالحرب مع إيران ستدمّر الاقتصاد الإيراني والإقليمي، وليس الاقتصاد الأميركي. والانتصار في الحرب على إيران سيغطّي على أيّ معاناة اقتصادية داخل الولايات المتحدة، حتى وإن كانت مرحلية لمدة سنة أو سنة ونصف سنة من الآن.

ما زلنا في مرحلة العد العكسي إما إلى المواجهة وإما إلى التنازلات. طهران تدرك آفاق حرب الرسوم الجمركية وتداعياتها على أصدقائها وعلى الأسواق، وبالتالي عليها. وطهران تعي أن الرئيس الأميركي لا يكتفي بتوعّده بضربة عسكرية موجعة للجمهورية الإسلامية الإيرانية ومنشآتها النووية- إذا تمترست في مواقفها بعناد.

لذلك تبحث إيران عن مخارج أقل تكلفة لها، مثل ما يسرّبه مسؤولون إيرانيون عن استعدادٍ للتخلي عن الحوثيين في اليمن كجائزة إرضاء لإدارة ترامب عسى ترحم برنامجها النووي الأساسي لبقاء النظام، ولو معدّلاً ومُخفّفاً.

صحيفة "تلغراف" البريطانية كانت أول من نقل عن "مسؤول رفيع" في إيران قوله إن طهران قررت سحب قواتها العسكرية من اليمن ووقف دعمها لجماعة الحوثيين، وذلك بالتزامن مع تكثيف الولايات المتحدة ضرباتها الجوية ضد الحوثيين وتحذيرات الرئيس الأميركي لإيران بضرورة وقف دعمها لهذه الجماعات.

إذا صدق أن طهران تقوم بإعادة تقويم سياستها حيال "الوكلاء" في المنطقة تجنباً لغيظ دونالد ترامب وسخطه عليها، فإن ذلك يعني أن حكّام إيران فهموا أخيراً جديّة تهديدات الرئيس الأميركي. فهموا أن لا خيار أمامهم سوى التخلي عن ساقٍ أساسية في هرم النظام، أي ضرورة الكف عن استخدام الوكلاء والميليشيات كأساس في السلوك الإيراني الإقليمي لتحقيق أهداف الهيمنة وتصدير عقيدة الثورة الإيرانية.

لا ثقة بأن حكام إيران اتخذوا فعلاً هذا القرار بصورة نهائية وبشمولية. الشعور العام هو أن طهران تراوغ. حتى وإن كانت جاهزة للتخلي عن الأداة الحوثية، وذراع نفوذها في اليمن وعبره نحو البحار وباب المندب وفي الجوار، فإن الشكوك هي أن هذه إجراءات موقتة، في ذهن إيران. ثم أنها لم تأتِ بمبادرة منها، وإنما تحت تكثيف العزم الأميركي على إنهاء ميليشيات الحوثي وقياداتها وقدراتها كاملة.

ثم أنه ما دام الحرس الثوري الإيراني يطلّ برأسه تكراراً في سوريا لاستعادة موقع قدم له هناك، وما دام يتمسك بأداة الحشد الشعبي في العراق، وما دام يقوم مسؤولون في الحرس الثوري بعمليات ميدانية داخل لبنان لتمويل ولتنشيط "حزب الله"– ذراع إيران المبتورة- فإن الثقة بعزم طهران على الاستغناء عن عقيدة الوكلاء والأذرع تكاد أن تكون معدومة.

فريق ترامب في انتظار القرار النهائي للرئيس فيما تستمر الاستعدادات العسكرية في المنطقة تهيّؤاً لضربة أميركية على منشآت نووية أساسية لإيران- فهذه أولوية ما دامت طهران ترفض الخضوع لشروط أميركية تكبّل برنامجها النووي. هذا القرار مُنتظر في غضون أيامٍ وأسابيع، وليس أشهراً. فالعنصر الزمني يفرض نفسه على توقيت العمليات بسبب اقتراب إيران من امتلاك القنبلة النووية.

فريق ترامب لا يثق بأن مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة مع إيران ستؤدي إلى النتيجة المرجوة. يعتقد أن طهران تشتري الوقت لهدفين: إبطاء العمليات العسكرية التي يتوعّد بها ترامب، وتعجيل وتيرة امتلاك القدرات النووية العسكرية الخطيرة.

لذلك، كما تفيد المعلومات، يريد فريق ترامب امتلاك زمام المبادرة العسكرية بتوقيت أميركي، مفاجئ وسريع وقريب، قبل نهاية الشهر الجاري. فالرئيس دونالد ترامب سيقوم في أول أيار / مايو بأول زيارة خارجية له، أولى محطاتها السعودية. وحرب الرسوم الجمركية قد تتطلب خطة تعويضٍ عن خسارة محتملة حتى وإن كانت انتقالية. والجمهورية الإسلامية الإيرانية لا تبدو جاهزة لتعديل منطق النظام وعقيدته - لا النووية منها ولا الأذرع والوكلاء.

وهكذا، ما زلنا في مرحلة شد الأحزمة في العد العكسي إلى المجهول وسط لعبة عض الأصابع والوقوف على شفير الهاوية.