رسائل ترامب وإشكالية السيادة العراقية

كتاب النهار 03-04-2025 | 08:46
رسائل ترامب وإشكالية السيادة العراقية
إن النظرة الأميركية تجاه مفهوم السيادة العراقية بحاجة إلى مراجعة داخلية من أحزاب وقوى ونخب وطنية،
رسائل ترامب وإشكالية السيادة العراقية
يضع ترامب العراق في خانة البلد ملحق وخاضع للهيمنة الإيرانية (أ ف ب)
Smaller Bigger

لم تفصل المذكرة الرئاسية للأمن القومي الأميركي والتي وقعها الرئيس دونالد ترامب في شباط / فبراير 2025، واستعاد من خلالها الضغوط القصوى على إيران، بين الأخيرة والعراق، فقد جاءت عدة إشارات في هذا الأمر التنفيذي دُمجت من خلالها مؤسسات سيادية للدولة العراقية بهذه العقوبات، كان أوضحها ما جاء في القسم الثاني (ب) للمذكرة بالإيعاز إلى وزارة الخارجية الأميركية "باتخاذ خطوات فورية، بالتنسيق مع وزير الخزانة والوكالات ذات الصلة، لضمان عدم استخدام النظام المالي العراقي من قبل إيران للتحايل على العقوبات"، فضلاً عن التركيز على الحد من نفوذ الميليشيات وملاحقتها في المذكرة ذاتها كإجراءات ملزمة للمؤسسات الأميركية كافة، دون الأخذ بالاعتبار أي نقاش مع الحكومة العراقية التي تحتكر دستورياً القرار بها كاختصاصات سيادية. كذلك فإن رسالة ترامب إلى المرشد الإيراني علي خامنئي في آذار / مارس، والتي عرض فيها الرئيس الأميركي خيار التفاوض أو المواجهة تضمنت طلباً بـ"حل الحشد الشعبي والفصائل المسلحة"، وهو ما أكده السفير الإيراني لدى العراق، رغم الإنكار من رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني لهذا الطلب من واشنطن لحكومته.

تطرح الرسالتان الأميركيتان، المذكرة وطلب حل "الحشد" من المرشد، تساؤلات عدة بشأن طبيعة تعاطي إدارة ترامب مع الدولة وحدود السيادة التي تنظر لها واشنطن تجاه بغداد؛ فالواضح أن ترامب وأفراد طاقمه يضعون العراق كبلد ملحق وخاضع للهيمنة الإيرانية أكثر منه كبلد ذي سيادة ويمتلك الاستقلال الكامل، ما يُعد تحولاً جذرياً في مستوى العلاقة بين البلدين والمحكومة بإرث تأسيس ورعاية النظام السياسي ما بعد عام 2003 واتفاقية الإطار الاستراتيجي التي حددت مسارات هذه العلاقة. ولهذه النظرة ما يبررها لدى البيت الأبيض، فلسنوات طوال فشلت الحكومات العراقية ومنها حكومة السوداني بالحد من الشبكات الإيرانية أو المرتبطة بها التي تستخدم النظام المالي العراقي في عمليات تهريب الدولار أو غسيل أموال لصالح طهران أو تقديم دعم مالي بشكل مباشر لأذرع إيران في المنطقة، كذلك يجد الترامبيون في البيت الأبيض أن سيطرة حلفاء إيران على السلطتين التشريعية والتنفيذية أمر مقنع لتشكيل رؤية بأن لا سيادة مطلقة للقرار العراقي في ظل تراجع المشاركة السياسية للشعب وللقوى الوطنية وإقصاء ومطاردة كل من يعترض على النفوذ الإيراني في العراق، فضلاً عن إيمانهم العميق بأن الحكومة الحالية شكلتها الميليشيات المناهضة للولايات المتحدة الأميركية. ما يضاعف ذلك الاعتقاد الأميركي بأن من الصعوبة التكهن بقدرة المعادلة السياسية في بغداد على التعاطي مع واشنطن وفق المصالح العليا للبلاد.

إن عدم قدرة حكومة السوداني على حصر السلاح بيد الدولة رغم أنه تعهد بذلك في البرنامج الوزاري، وتفكيك الميليشيات الموالية لإيران بناءً على ضمانات منحها للجانب الأميركي بمقابل منع إسرائيل من تنفيذ هجمات في العراق، أو ضبطها عندما تُستدعى تلك الفصائل في لحظات التصعيد بالمواجهة العسكرية ضد المصالح الأميركية في العراق والمنطقة وتبنيها ما يعرف سابقاً بـ"وحدة الساحات" وفق السردية الإيرانية، ضاعف الشعور لدى إدارة ترامب بأن قرار الحرب، والذي يعد أمراً سيادياً للدولة العراقية، لا تمتلكه المؤسسة التنفيذية والتشريعية، وبأن هذه الجماعات غير خاضعة لأي من مفاهيم السيادة الأمنية والسياسية في العراق.