.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
إنه تناذر الفطام الأمني الاستراتيجي الكوني! ولقد سبق أن شعر به العالم إثر انهيار الإمبراطوريات الخمس بعد الحرب العالمية الأولى، وهو يذهب نحو الحرب الثانية، لكنه هذه المرة فطام لا يترك بديلاً إلا الردع النووي!
وفيما يقدم الرئيس ترامب نفسه صانع سلام دولياً، تدل الوقائع، أن العالم يسرع الخطى بقوة نحو انتشار الأسلحة النووية! وتلك حقائق وليست مجرد تكهنات!
لا يبدو انهيار القانون الدولي وتداعى المؤسسات الدولية التي تضبط النزاعات والحروب إلا مظهراً سطحياً لهذه الظاهرة، بل أزعم أن العالم لم يكن مهدداً بالحروب النووية قط، كما هو اليوم.
وإذ يعمد الرئيس ترامب على تفكيك البنية الاستراتيجية للتحالف الغربي التي تتزعمها الولايات المتحدة، تجد أوروبا نفسها، فجأة، مكشوفة على كل المخاطر. وكما أوضح بوتين بجلاء في مؤتمر ميونيخ 2014، تطمح روسيا لاستعادة قدرات هيمنتها السياسية والاستراتيجية التليدة في أوروبا، لتمتد نحو بولندا ورومانيا ومولدافيا وتشيكيا، صولاً للحدود الألمانية. لتستفيق أوروبا على كوابيس ذكرياتها عن الجحافل الروسية الإمبراطورية أو الشيوعية تكتسح عواصمها.
لا تتفرد روسيا بجموح منطق القوة الدولية. وكان يمكن للحرب التجارية الأميركية على أوروبا أن تكون مجرد منافسة مفهومة، لكن أميركا-ترامب تهدد بضم كندا، والمكسيك، وبنما، والدنمارك... وما أدراك من يتلو؟
ويكرر فانس طموح إدارة ترامب لاحتلال غرينلاند الدنمركية، ويدّعي أن الدنمارك "ليست حليفاً جيداً للولايات المتحدة"، رغم أن الدنمارك هي أكثر مشارك أطلسي ضحى بعدد من أبنائه، نسبة لعدد السكان في حماقات وغزوات الأخ الأميركي الكبير. وها هو فانس يخطط لزيارة عائلية لغرينلاند دون استئذان أصحاب البيت، في منظر يذكر بتجربة المستعمرين الأميركيين الأوائل مع الهنود الحمر.
وتلمس العديد من دول آسيا التخلي الأميركي الفادح! لتبدو المخاطر وشيكة جداً بالنسبة لليابان وتايوان وكوريا الجنوبية! وإذ يلغي وزير الدفاع الأميركي المباحثات الاستراتيجية مع القيادات العسكرية الكورية الجنوبية يتعزز شعور حلفاء أميركا في جنوب شرقي آسيا بالتخلي الأميركي. ولا يشك أحد "أنهم سيحكون ظهرهم بأظفارهم".
والآن ما العمل؟ توضح الحسابات الاستراتيجية المستعجلة لدول أوروبا وآسيا وكندا، أن لا وقت لديها لتطوير قدراتها الردعية التقليدية؛ فتطوير قدرات عسكرية برية حديثة يتطلب ما لا يقل عن 20 عاماً، أما بناء حاملة طائرات واحدة فيتطلب 25 عاماً من لحظة القرار حتى لحظة التذخير.
بالنسبة للعديد من الدول يبدو الخيار الأوضح والأسرع والأنجع والأكفأ هو الردع النووي. وهذا ما يحصل فعلاً! إذ لم يعد ثمة مجال للثقة بالتحالف مع أميركا؛ فـ"من يجرب المجرب، عقله مخرب".
كانت أوكرانيا هي القاعدة العلمية والصناعية واللوجستية للبرنامج النووي السوفيتي، وبعد أن تخلت طوعاً عن أسلحتها النووية بضمان دولي بحمايتها من أي اعتداء، تبين أنه "بالوعد يا كمون". ومع العقبات الماثلة أمام انضمامها لحلف الأطلسي، يصبح الردع النووي بالنسبة لأوكرانيا، حلاً جبرياً وعملياً. ويقدر الخبراء أنه في حال اتخاذ القرار، تحتاج أوكرانيا لأقل من نصف عام لإنجاز المهمة.
من جهتها، تمتلك بولونيا قاعدة صناعية صلبة، ونظاماً تعليمياً نووياً قوياً، يفوق حاجاتها السلمية. وبعد أن فشلت في إقناع الولايات المتحدة بنشر أسلحة نووية على أراضيها، يناقش البولونيون الآن، ما يحتاجونه لتأمين الغطاء النووي بأنفسهم. ورغم أنهم لا يملكون صناعة نووية محلية متقدمة لكن قدرتهم التصنيعية قوية، لذلك سيكون طريق بولندا أطول قليلاً. من المحتمل أن يستغرق الأمر 9 أشهر وسنة للحصول على سلاح وظيفي.
أما رومانيا، فلديها قاعدة صناعية ونووية مشابهة لأوكرانيا، لكن أنظمة أسلحتها مستوردة ودون المستوى المطلوب. ولعلها تتطلع لأشكال مختلفة من التعاون النووي مع بعض دول البحر الأسود.
ومن جهتهم، يناقش السويديون والألمان الردع النووي علناً، ويتمتع كلاهما بنظام عسكري وقاعدة صناعية معقدة وحديثة. ويقدر الخبراء أنهما قادرتان على توفير سلاح قابل للتسليم، في أشهر قليلة بدءاً من إطلاق مشروع التصنيع الحربي.
ورغم توفر خيار آخر لألمانيا، عبر الشراكة مع فرنسا، مقابل دفع تكاليف محددة، يرجح الخبراء أن تذهب ألمانيا، في نهاية المطاف، نحو إنتاج سلاحها الخاص، رغم تعاونها مع فرنسا لاكتساب الخبرة في تصنيع الرؤوس النووية الحربية، وتخصيب اليورانيوم والبلوتونيوم. وبدورها تبدو كندا قاب قوسين أو أدنى.