مطالب الانفصال في جنوب أفريقيا... ازدواجية المواقف وتحديات الاستقرار

كتاب النهار 28-03-2025 | 02:19
مطالب الانفصال في جنوب أفريقيا... ازدواجية المواقف وتحديات الاستقرار
بدلاً من الترويج لانفصال الصحراء عن المغرب، على جنوب أفريقيا أن تركز على حل مشكلاتها الداخلية، لأن دعم الانفصال في الخارج قد يتحول إلى سلاح ذو حدين، قد يرتد عليها في النهاية.
مطالب الانفصال في جنوب أفريقيا... ازدواجية المواقف وتحديات الاستقرار
جنوب أفريقيا بحاجة لفهم أن الحل لا يكمن في دعم الانفصال خارج البلاد ومحاربته داخلها. (أ ف ب)
Smaller Bigger

في السنوات الأخيرة، تصاعدت دعوات الانفصال في مقاطعة كيب الغربية بجنوب أفريقيا، مدفوعة بمزيج من العوامل الاقتصادية والسياسية والثقافية تعززت أخيراً بحالة القطيعة مع الولايات المتحدة الأميركية.

في المقابل، لا تزال حكومة جنوب أفريقيا تتبنى مواقف داعمة لانفصال إقليم الصحراء عن المملكة المغربية، في تناقض صارخ بين مواقفها الداخلية والخارجية. فهل تدرك جوهانسبورغ المخاطر التي قد يجرّها عليها هذا المنطق الانفصالي؟

يبلغ عدد سكان مقاطعة كيب الغربية زهاء 7 ملايين شخص يستقر ثلثاهم في العاصمة كيب تاون، وتعتبر المقاطعة من أغنى مقاطعات جنوب أفريقيا، حيث تساهم في أكثر من 15% من الناتج المحلي الإجمالي الوطني، كما أن معدل البطالة فيها أقل بكثير مقارنة ببقية البلاد التي يتجاوز فيها المعدل 18%، ذلك أن المقاطعة تمتلك اقتصاداً متنوعاً، يعتمد على السياحة، والزراعة، والصناعة، إلى جانب كونها مركزاً مالياً مهماً. كما أن مدينة كيب تاون، عاصمة المقاطعة، تعدّ ميناءً استراتيجياً على واحد من أهم الطرق التجارية في العالم.

هذا التميز الاقتصادي دفع بعض الحركات السياسية، وعلى رأسها "كيب إندبندنت"، إلى الترويج لفكرة الاستقلال، بحجة أن كيب الغربية يمكن أن تزدهر بعيداً من سلطة الحكومة المركزية في بريتوريا. كما يستند أنصار الانفصال إلى الاختلافات الثقافية واللغوية، إذ يتحدث جزء كبير من السكان الأفريكانسية والإنكليزية، على عكس المناطق الأخرى التي تهيمن عليها لغات مثل الزولو والسوتو.

شهدت الانتخابات الأخيرة في جنوب إفريقيا، التي أجريت في 29 أيار / مايو من السنة الماضية، تحولاَ تاريخياً، إذ خسر حزب المؤتمر الوطني الأفريقي غالبيته البرلمانية المطلقة لأول مرة منذ 1994. هذه الخسارة تعكس تراجع ثقة الناخبين بالحزب الذي قاد البلاد ثلاثة عقود، بسبب فشله في معالجة قضايا البطالة والجريمة والفساد، في ظل استمرار الفوارق الاقتصادية وهيمنة الأقلية البيضاء على مفاصل الاقتصاد.

في هذا السياق، يمكن اعتبار الدعوات إلى استقلال كيب الغربية ليست مجرد نزعة انفصالية عابرة، بل نتيجة مباشرة لفشل الحكومات المتعاقبة في تحقيق التنمية المتوازنة. لكن المفارقة تكمن في أن الحزب نفسه الذي يواجه خطر الانقسام الداخلي، يواصل دعم الحركات الانفصالية خارج حدوده، كما هي الحال في موقفه من قضية الصحراء المغربية.

الزعيم نيلسون مانديلا اعترف علانية بالدعم الكبير الذي قدمه المغرب الى المؤتمر الوطني الأفريقي في سنوات النضال ضد نظام الفصل العنصري. إلا أن جنوب أفريقيا منذ سنوات وهي تتبنى موقفاً عدائياً حيال الوحدة الترابية للمملكة المغربية. لكن السؤال المطروح هو: إذا كانت حكومة جنوب أفريقيا ترى في دعم الانفصال بالصحراء خياراً سياسياً مشروعاً، وتؤمن بشعار تقرير المصير، فلماذا ترفض تطبيق المنطق نفسه على مقاطعة كيب الغربية؟ هذا التناقض يهدد بفتح الباب أمام حركات انفصالية أخرى في البلاد، خصوصاً في ظل تصاعد الانقسامات العرقية والسياسية.

من الناحية القانونية، لا يوجد في دستور جنوب أفريقيا أي بند يسمح بانفصال إحدى مقاطعاتها. لذا، فإن أي محاولة من هذا النوع ستواجه رفضاً قوياً من الحكومة المركزية، التي تملك الأدوات الدستورية والعسكرية للحفاظ على وحدة البلاد، ما يعني أن كيب الغربية لن تحصل بسهولة على الاعتراف الدولي في حال قررت الانفصال؛ فانفصالها سيؤدي حتماً إلى اضطرابات داخلية، بسبب وجود أرضية خصبة من الانقسامات العرقية والاقتصادية العميقة في البلاد.