.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
خلّد جبران أقوالًا سُجلت في تاريخ لبنان، فهو اللبناني الذي نادى مرارًا بأن "المحافظة على الاستقلال تكون بتعزيز إيماننا بوحدتنا"
"نقسم بالله العظيم، مسلمين ومسيحيين، أن نبقى موحدين إلى أبد الآبدين، دفاعًا عن لبنان العظيم".
بتلك الكلمات الوطنية استطاع الشهيد جبران تويني أن يحوّل خطابات جماهير 14 آذار من مجموعة مطالب إلى نشيد وطني، لم تزل كلماته تتردّد كلما رفرف علم لبناني في ساحة الشهداء، وفي كل بقعة من هذا الوطن.
لم يكن الرابع عشر من آذار 2005 يومًا عاديًا، ولم تكن تلك الجماهير التي ملأت الساحات في وسط بيروت حاملة الأعلام اللبنانية، ومتخلية ليومٍ واحدٍ عن خطابها الطائفي، ومبتعدة عن لغة أحزابها الضيقة عادية أيضًا، بل كان كلّ من تواجد في تلك الساحة وعلى مساحة الوطن، في ذلك النهار، هو لبناني أو بالأحرى وطني. نزلت تلك الجماهير يومها لتعبّر عن رفضها للوصاية السورية، وكي تطالب بكشف مَن أقدم على اغتيال رئيس حكومة لبنان رفيق الحريري ورفاقه. كانت الجماهير فعلًا تعيش نشوة التحرر من 15 عامًا من الممارسات القمعية في نظام أمني لبنان - سوري مشترك.
مثل أحداث 14 آذار لا يكررها التاريخ إلا نادرًا، لأنه لا ينتج منها إلا رجالات وطنية على مثال الشهيد جبران تويني. في ذاكرة لبنان التاريخية، مرّت أحداث مشابهة في المطالب مع 14 آذار، عندما عمّت شوارع لبنان احتجاجات في 11 تشرين الثاني من عام 1943، حيث نزل اللبناني في كل لبنان من أقصى شماله إلى أقصى جنوبه، رافعًا شعار المطالبة بالاستقلال عن الانتداب الفرنسي وتطبيق الدستور.
صنعت احتجاجات 11 تشرين الثاني يومًا وطنيًا، إذ إن اعتقال رجالات الاستقلال في قلعة راشيا ألهب الشعور الوطني وحفّز الحسّ بالمسؤولية لتحرير البلد، وكانت أيضًا جريدة "النهار" مع المؤسس جبران تويني، تواكب الحدث وتلعب دورًا وطنيًا في نشر وإيصال الكلمة الى من يجب أن يسمعها، وتنقل صرخة اللبناني الممزوجة بالقلق والفرح معًا والمطالبة بالاستقلال.
في أول افتتاحية لجريدة "النهار" الصادرة بتاريخ 4 آب 1933 كتب جبران تويني المؤسس، "إن الحكم الدستوري عائد لا محالة لأن صك الانتداب الذي أقام فرنسا وليّة على سوريا ولبنان نصّ في مادته الثانية على أن تقيم فرنسا في هذه البلاد نظامًا نيابيًا للحكم، بالاتفاق مع السلطات الأهلية. ولن تستطيع فرنسا أن تنقض صك الإنتداب". رسالة الحفاظ على تطبيق الدستور والحرص على أن يبقى لبنان حرًا موحدًا ونقل الكلمة بجرأة ومن دون خوف، تلخص الهدف الذي لأجله أنشئت الجريدة، ولأجله لم تزل مستمرة كي يبقى لبنان.
لم تتلكأ "النهار" عن لعب دورها الوطني في مواجهة الانتداب الفرنسي، ورفع الوصاية السورية عن لبنان، فلطالما كانت إلى جانب المطالب الشعبية، وتحفز الحثّ الوطني نحو المقاومة في سبيل تحرير البلد من التدخلات الأجنبية، وعودة الحياة الدستورية إلى الحياة اللبنانية وانتظامها. لهذا، كسر شهيد الصحافة والقلم الحرّ جبران تويني (الحفيد) الحواجز الطائفية، وحطّم القيود التي جعلت من لبنان أسير أطماع نظام أمني بـ (صفر خوف)، لأنه رجل آمن بأن للعيش في حرية دائمًا هناك ثمن.
لم يتوانَ جبران تويني عن اعتلاء المنبر في 14 آذار وسط بحر من الحشود تجمهرت بقلب واحد ورددت معه بصوت عال النشيد الذي أطلقه في ساحة الشهداء، وقد امتاز عن سائر من خاطب الجماهير بأنه لم يتوجه إلى الآخر المختلف بكلمة، بل حاكى الوطنيين الأحرار داعيًا إياهم إلى تكريس الوحدة بين بعضهم البعض حفاظًا على لبنان العظيم.
لقد اختلف جبران في قسَمه عمّا قاله الصحافي الراحل جورج نقاش واصفًا مشكلة لبنان بأنه يضمّ المسلم والمسيحي، كاتبًا "متناقضان لا يبنيان وطنًا". أما جبران فقد وجد في العيش المشترك نعمة تميّز هذا البلد، لذا أتى قسمه متوافقًا مع نظرة قداسة البابا يوحنا بولس الثاني عندما قال: "إن لبنان هو أكبر من بلد، إنه رسالة للعيش المشترك".
خلّد جبران أقوالًا سُجلت في تاريخ لبنان، فهو اللبناني الذي نادى مرارًا بأن "المحافظة على الاستقلال تكون بتعزيز إيماننا بوحدتنا". لهذا يرى البعض أنّ قسم جبران لا يتوافق مع الداعين إلى تقسيم لبنان وإلى تطبيق النظام الفيديرالي. لذا، ستبقى جريدة "النهار" منبرًا للنضال، تدافع فيه عن لبنان الكبير وليس لبنان الطوائف ولا لبنان التقسيم، وستبقى تنادي بالحفاظ على الدستور وتطبيقه لأنه الضمان لبقاء الوطن.
من جبران الأديب إلى جبران الشهيد، لبنان العظيم سيبقى صامدًا مادام هناك من يدافع عن وجوده وكيانه ويدعو إلى وحدته. فبالأدب خُلّد لبنان الجميل الذي نقله الأديب جبران من الواقع إلى الخيال الذي لا يموت، فيما أعاده الشهيد جبران إلى الواقع في قسَمه الذي أصبح نشيدًا تُردد فيه الدعوة إلى الوحدة بين اللبنانيين كي يبقى لبنان العظيم.