الشعبوية مرض أوروبا العُضال

كتاب النهار 10-02-2025 | 06:30
الشعبوية مرض أوروبا العُضال
رغم تباين أعراض المرض الشعبوي بين أوروبا وأميركا، وبين الدول الأوروبية نفسها، إلا أن المشترك السائد هو الجذور الاقتصادية للأزمة... 
الشعبوية مرض أوروبا العُضال
صعود الأحزاب السياسية اليمينية المتطرفة في أوروبا عقد المشهد بشكل كبير (أ ف ب)
Smaller Bigger

يشير الدارسون لتجربة الوحدة الأوروبية دائماً إلى التناقض بين الوحدوي والوطني، بوصفه علة ضعف أوروبا الأساسية في مواجهة نفسها ومنافسيها وحلفائها. لكن هذا التناقض، وإن بدا أحياناً دافعه تباين المصالح بين الدول الأعضاء، إلا أنه تعمق بشكل واسع وكبير بسبب صعود الشعبوية اليمينية في القارة؛ حيث يسجل الاتحاد الأوروبي منذ بداية القرن الحالي ارتفاعاً ملحوظاً في شعبية الأحزاب الشعبوية على أقصى اليمين في جميع أنحاء القارة، إذ يشير مسح طاول 31 دولة أوروبية خلال عام 2022 إلى أن حوالى 32% من الأوروبيين صوتوا للأحزاب المناهضة للمؤسسة، وهذه زيادة كبيرة مقارنة بنحو 20% في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين و12% في أوائل التسعينات.

وقد أدى صعود الأحزاب السياسية اليمينية المتطرفة في أوروبا مدى السنوات الأخيرة، إلى تعقيد المشهد السياسي في القارة بشكل كبير، فقد حققت الحركات الشعبوية، التي كانت سائدة أوروبا الشرقية، تقدماً كبيراً في أوروبا الغربية. وتحظى المجر وإيطاليا وفرنسا واليونان وبولندا بأعلى مستويات الدعم للأحزاب الشعبوية، وتقدم تحذيرات بشأن تبني السياسات الشعبوية. وتأتي مالطا والبرتغال واللوكسمبور وكرواتيا في المرتبة الأدنى من حيث دعم الأحزاب الشعبوية. ورغم أن هذه الأحزاب أكثر تشكيكاً في الاتحاد الأوروبي من نظيراتها غير الشعبوية، فإن عدد المؤيدين للانسحاب الكامل من الاتحاد أصبح أقل مقارنة بالسنوات السابقة. كما تحولت بريطانيا بقوة نحو أقصى اليمين. وفي ظل أنظمة التمثيل غير النسبي، اتجهت الأحزاب الرئيسية، وبخاصة حزب المحافظين، نحو اليمين استجابة لشعبية الأفكار الشعبوية، ولا سيما منها تلك المتعلقة بالهجرة. كما يتم استخدام "حروب الثقافة" لإحباط حكومة حزب العمال.

وقد أظهرت انتخابات البرلمان الأوروبي الأخيرة أن الشعبوية قد أسست حضوراً هائلاً في القارة؛ فقد حصل 60 حزباً شعبوياً من 26 دولة عضو في الاتحاد على تمثيل في البرلمان. وكسبت هذه الأحزاب بـ 263 مقعداً - أي قرابة 36 في المئة - من 720 مقعداً. ويرتبط هذا الصعود الشعبوية ارتباطاً وثيقاً بانهيار أحزاب يسار الوسط ويمين الوسط التي هيمنت على القارة منذ أواخر أربعينات القرن العشرين، وكذلك بتحول في مستوى طبيعة الاستقطاب السياسي، من صراع الأحزاب إلى صراع الثقافات. إن تزامن أزمة السلطة مع اندلاع الصراع الثقافي خلق الظروف الملائمة لازدهار الشعبوية. وقد عمقت من الوضع محاولة النخبة الأوليغارشية، التي فقدت الثقة على نحو متزايد، فرض أسلوب حياة غريب عن تقاليد ملايين الناس في أوروبا ووجهات نظرهم. وهي الحالة نفسها التي عاشتها الولايات المتحدة كصراعٍ بين بايدن وترامب وانتهت بفوز الأخير مدفوعاً بصحوة محافظة قوية  تريد إعادة الاعتبار الى قيم العائلة والدين والتقاليد.

ورغم تباين أعراض المرض الشعبوي بين أوروبا وأميركا، وبين الدول الأوروبية نفسها، إلا أن المشترك السائد بينها جميعاً هو الجذور الاقتصادية للأزمة. فقد تزامن صعود الشعبوية على نحو سببي مع الأزمة الهيكلية التي يعيشها العالم الغربي منذ عام 2008، تاريخ اندلاع الأزمة المالية، ثم أزمة اللاجئين عام 2015، وجائحة كوفيد 19، والآن مع الحروب في أوكرانيا وغزة. وقد أنتجت كل أزمة مناخاً ملائماً لتعبئة الشعبوية للقلق الاقتصادي، والمخاوف الثقافية، والاستياء السياسي. وفي السنوات الأخيرة، كان للظروف الاقتصادية المتدهورة ثقل كبير على الرأي العام، مما أدى إلى تعزيز الإحباط والغضب إزاء ارتفاع أكلاف المعيشة. وفي الوقت نفسه، أدت المخاوف المرتبطة بالهجرة والتغيير الثقافي إلى تغذية الدعم للشعبوية اليمينية المتطرفة. وفي بلدان مثل المجر وإسبانيا وإيطاليا، استغل الشعبويون اليمينيون المتطرفون أيضاً التهديدات التي تتعرض لها الثقافة التقليدية من طرف النخب الأوليغارشية.

ومع التحول الهائل في الولايات المتحدة نحو تسيّد الشعبوية، متحالفةً مع الإقطاع الرقمي، يبدو أن الموجة الشعبوية ستشهد تصاعداً لا في أوروبا وحسب بل في جميع أنحاء العالم، من خلال التطبيع مع خطابها اللاصوابي وترويج مقولاتها النظرية حول طبيعة المجتمع والسلطة والثروة والحقوق. لكن في أوروبا ربما يكون الثمن الجيوسياسي الدي ستدفعه القارة باهظاً وربما يصل إلى حد تفكك الوحدة الأوروبية والعودة إلى عصر الدول القومية المتنافسة، مما سيزيد من حجم التوترات والحروب الحقيقة والرمزية في قلب العالم القديم.