ترامب وفاراج... وثالثهما "شيطان البريكست"!

كتاب النهار 09-02-2025 | 07:16
ترامب وفاراج... وثالثهما "شيطان البريكست"!

الزعيم الأميركي مولع منذ ولايته الأولى بمشروع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي إلى درجة أنه لُقّب معها بـ"السيد بريكست"، ولا غرابة في ذلك...

ترامب وفاراج... وثالثهما "شيطان البريكست"!
"السيد بريكست"؟ (أ ف ب)
Smaller Bigger

عندما استثنى الرئيس دونالد ترامب بريطانيا من "عقوبة" الرسوم الجمركية عشية القمة الأوروبية غير الرسمية الأخيرة، فيما أكد أنه سيفرضها على دول الاتحاد الأوروبي، بدا أنه يريد دق إسفين بين لندن وشقيقاتها الأوروبيات. واستجاب كير ستارمر رئيس الوزراء البريطاني لهذه "الكياسة" موضحاً حرصه على علاقات بلاده الطيبة مع كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. واعتُبر هذا الرد مخاتلاً غايته التملص من قول الحقيقة المرة.

وقال جملته المواربة هذه في رد على سؤال، خلال مؤتمر صحافي عقده مع مارك روته بعد القمة، جاء فيه "هل ستخفف من الحماس لإعادة ضبط العلاقة مع الاتحاد الأوروبي لكي لا يتخلى عنك ترامب؟" لم يستطع أن يُجيب بنعم لأنه مضطر لإعطاء الأولوية لـ"أميركا العظيمة" التي لا يقبل زعيمها بالمساواة بينها وبين كل ما عداها.

والواقع أن ستارمر قد "خفّف" فعلاً من وتيرة سعيه لوضع علاقات بلاده مع أوروبا على سكة السلامة بعدما عاث بها البريكستيون خراباً. كانت هناك تساؤلات مستمرة مذ انتخب زعيماً لحزب العمال قبل نحو خمس سنوات، حول "صمته" عن قضية إعادة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي. كانت هناك مماطلة وتسويف مستمرين، تم تفسيرهما برغبته عدم استعداء الناخبين الذين صوتوا لمصلحة البريكست في استفتاء 2016. وبعدما تسلم زمام الأمور، بقي على تردده، وبقي يراوح بين التعبير عن الحاجة لتوثيق عرى التعاون مع الاتحاد الأوروبي وبين الحديث عن تعذر الالتحاق بالاتحاد من جديد. ولم يكد يقول عند استضافته القمة الأوروبية غير الرسمية السابقة في تموز / يوليو الماضي إنه عازم على إعادة تنظيم العلاقات مع القارة، حتى سارع بالتأكيد أن بريطانيا لن تستعيد مقعدها في الاتحاد في المدى المنظور. 

والآن وقد أكمل البريكست عامه الخامس الشهر الماضي، ألم يحن الأوان لإعادة الأمور إلى نصابها؟ 

لا. فالواضح أن تعهده بتنظيم العلاقات من جديد بقي كلاماً بكلام. والأوروبيون وأصدقاؤهم البريطانيون لا يخفون خيبة أملهم من بطء ستارمر في التحرك باتجاه بروكسل. فهو لم يترك الإجراءات البيروقراطية على حالها فحسب، بل رفض أخيراً للمرة الثانية في غضون أشهر، الموافقة بالسماح، للشباب بحرية الحركة بين بريطانيا ودول الاتحاد، على عرض الاتحاد لإطلاق برنامج تبادل للطلاب بين الطرفين. وذكرت تقارير أخيرة أنه تراجع عن موقفه، لكن الحكومة لم تؤكد ذلك بعد. يدل تأرجحه أنه لم يحسم أمره للآن بشأن البريكست.

اتفاق البريكست يمثل "كارثة تاريخية" على حد تعبير مايكل هيزلتاين، نائب رئيس الوزراء الأسبق المحافظ، ما يعني أنه لا بدّ من تصحيحه أو حتى إلغائه. فهو كلف البلاد مليار جنيه إسترليني سنوياً ونحو أربعين ملياراً دفعتها لبروكسل في إطار اتفاق الطلاق، كما أن المهاجرين الذين وعد صانعو البريكست بإيقاف تدفقهم، زادت أعدادهم أضعافاً مضاعفة.

قال مؤيدو ستارمر أوروبيو الهوى إنه ضمناً يريد إصلاح ما أفسده البريكست مع أوروبا، لكنه يخشى التفريط بالناخبين الذين صوتوا للخروج في استفتاء 2016. ويحسب في الوقت نفسه ألف حساب للمشككين بأوروبا ممن لا يضيعون فرصة بتبييت مؤامرة على البريكست. وبعدما أبدى ترامب ليونة ملحوظة رأوا أن الفضل في ذلك يعود إلى احتفاظه بالبريكست. وفعلاً نبّه النائب نايجل فاراج زعيم حزب الإصلاح، من أن التقارب مع أوروبا سيزعج سيد البيت الأبيض! 

والواقع أن التذبذب لم ينفع الزعيم البريطاني؛ فهو لم يرضِ أوروبا ولا أنصارها البريطانيين، كما لم يعجب خصومها. والأهم هو أنه لم ينفع في حماية أسهمه من الهبوط حسب استطلاعات الرأي، التي لا تضعه حالياً خلف فاراج من حيث نسبة الرضى عن أدائه، بل تظهر أن شعبيته باتت أقل من تلك التي سجلها سلفه ريشي سوناك في أحلك أيامه!

 أنصار الخروج من الاتحاد الأوروبي البريطانيون راضون عن عدم بطش رئيس الوزراء بالبريكست، لكنهم غير مرتاحين لعجزه عن معالجة أزمة تكلفة المعيشة التي يرزحون تحت وطأتها، ولعدم تدعيم البنى التحتية ورفع مستوى الخدمات الصحية وغيرها. وهو يعرف أن العودة إلى الاتحاد الأوروبي من شأنها أن تساعد اقتصاد البلاد على النمو بما يجعل البريطانيين يشعرون بتحسن في ظروفهم. وهذا سينعكس إيجابياً على شعبيته. إلا أنه متردد في وضع قدمه على الطريق الطويل للسير إلى بروكسل لكونه عالقاً بين نارين: ابتعاد أنصار البريكست عنه فيما لو حاول الانتساب للاتحاد الأوروبي مجدداً من جهة، والحاجة إلى تذليل الصعوبات الاقتصادية التي تنكد حياة البريطانيين من جهة ثانية. والآن زاد الطين بلة. فقد بات في مواجهة نار ثالثة لعلها حامية أكثر من الأخريين، ويتصاعد لهيبها من واشنطن ومن "أصدقائها" في بريطانيا وخارجها.

الزعيم الأميركي مولع منذ ولايته الأولى بمشروع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي إلى درجة أنه لُقب معها بـ"السيد بريكست". ولا غرابة في ذلك، فهو، يشاطر دعاة البريكست تشبعهم بالشعبوية ومعارضة الهجرة والمهاجرين والحمائية. إلا أن"شهيته" لتحقيق الربح، ولو على حساب الآخرين، أقوى منهم. ولعله يريد ثمن "ليونته" عقوداً لشراء منتجات أميركية نباتية وحيوانية، كالدجاج المغسول بالكلور، تعارض السلطات المعنية استيرادها، كما أنه يريد الهيمنة على هيئة الخدمات الصحية الوطنية.

وإذ يحذر ليبراليو حزب العمال ستارمر من الرضوخ لإملاءات الرئيس الأميركي أو حتى تصديق وعوده باعتباره ليس جديراً بالثقة، لايزال الزعيم العمالي على تردده بشأن البريكست. فإن عارض ترامب، لن يتعب هذا في البحث عن حليف بديل، لأن صديقه فاراج، البريكستي حتى النخاع، ينتظره على أحر من الجمر ليأخذ بيده إلى 10 داونينغ ستريت قبل نهاية ولايته في 2029.