"غوغل" يفضح الشعوب الواعية

كتاب النهار 08-02-2025 | 08:00
"غوغل" يفضح الشعوب الواعية

ربما خرجت "فضيحة" الأميركيين مع العم "غوغل" لتطهرّنا كعرب من أي شعور في غير محله بالنقص حيال تلك الشعوب الغربية...

"غوغل" يفضح الشعوب الواعية
البيانات لا تكذب (أ ف ب)
Smaller Bigger

لا عنوان أبلغ للفترة الحالية من حرب الرسوم الجمركية التي يخوضها دونالد ترامب، الرئيس الأميركي الجديد، ضد الدول. فقد أعلن خلال الأيام القليلة الماضية عن إضافة 10% على ضريبة الاستيراد من الصين، وفرض ضريبة بواقع 25% على الواردات من جارتيه كندا والمكسيك، وإن كانت قد تعرضت للتأجيل. وقد يصبح الاتحاد الأوروبي ضحيته التالية.

يا لها من دراما!

ولكن دراما الرسوم الجمركية الأشد إثارة للاهتمام حدثت في الواقع في تشرين الثاني / نوفمبر المنصرم، وتحديداً بعد يوم أو أكثر من ملء الأميركيين لصناديق الاقتراع. ففجأة، وبعدما فرغ المواطنون من الإدلاء بأصواتهم، واستقرت غالبيتهم بالفعل على اختيار ترامب، راح محرك البحث "غوغل" يُظهر ارتفاعاً واضحاً في بحثهم عن كل ما يتعلق بالرسوم الجمركية. 

فالبحث عـ"ما هو الرسم الجمركي؟" بلغ أعلى مستوياته فقط بعد يومين من التصويت، والبحث عـ"من يدفع الرسوم الجمركية؟" زاد بنسبة 350% بعد التصويت، أما البحث عن "خطة ترامب للرسوم الجمركية"، فقفز بما يفوق الـ1650% بعد إدلاء الأميركيين بأصواتهم. ولكم أن تتخيلوا أنه قبل الـ5 من تشرين الثاني / نوفمبر المنصرم، وخلاله، وهو يوم الانتخابات، كان البحث يكاد أن يكون منعدماً عن السؤال "لماذا الرسوم الجمركية سيئة للاقتصاد؟"، فإذ به يحقق طفرة تُقدّر بـ5000% بعد أسبوع من صدور النتيجة بفوز ترامب.

والعجيب هو أن ارتفاع وتيرة البحث بعد انتهاء التصويت، جاء في أحيان عديدة من الولايات الجمهورية الحمراء، والتي ناصرت ترامب. فالسؤال "هل الرسوم الجمركية جيدة؟" حظي بأعلى معدلات البحث عنه في كانساس، وتكساس كانت الأنشط بحثاً عن "شرح خطة ترامب للرسوم الجمركية"، أما آيداهو، التي ألحقت هزيمة نكراء بهاريس، فراحت تتساءل بعد انقضاء التصويت "هل الرسوم الجمركية تنفع؟".

البيانات لا تكذب. لقد انتظر الأميركيون حتى "وقع الفأس في الرأس" -كما يقول المثل- ليشرعوا في البحث عما هي الرسوم الجمركية التي يتوعد بها ترامب، وكيف تعمل، وكيف سيتكبّدون تكلفتها كمستهلكين للأخشاب الكندية والجعة المكسيكية والإلكترونيات الصينية. لقد تركوا "أحقادهم" الاقتصادية ومخاوفهم المفرطة تجرفهم كلياً، فصوتوا أولاً، وفكّروا ثانياً.

هذه الهيستيريا -على غرابتها- أعادتني إلى 2016، فبعدما ذهبت أصوات غالبية البريطانيين آنذاك لـ"بريكست"، أظهر "غوغل" أن التساؤل الأهم على أذهانهم في اليوم التالي لإعلان النتيجة كان "ماذا يعني أن نغادر الاتحاد الأوروبي؟"، يليه التساؤل المضحك المبكي عـ"ما هو الاتحاد الأوروبي؟" أصلاً. والسؤال الرابع من حيث الرواج كان "ماذا سيحدث بعدما غادرنا الاتحاد الأوروبي؟"، والذي لا يبدو لي سؤالاً يُطرح بعد اتخاذ القرار.

أدرك أننا كعرب كثيراً ما نجلد ذواتنا، ونمعن في الانتقاد، ولكن ربما خرجت "فضيحة" الأميركيين مع العم "غوغل" لتطهرّنا من أي شعور في غير محله بالنقص حيال تلك الشعوب الغربية، وتوقظنا من أوهامنا بأنهم يتفوقون علينا بالضرورة في الوعي والدراية والحكمة.