.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
ما تشهده عملية التأليف الآن يعد تقهقراً وتراجعاً سريعاً وخاطفاً إلى ما قبل البدايات، تماماً كما يحصل في جنوب لبنان من عودة مقلقة لواقع لا يعكس أي وضوح.
ثلاثة أسابيع فقط منذ انتخاب رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزف عون وتكليف القاضي الدولي نواف سلام تشكيل أولى حكومات العهد الجديد كانت كافية لسكب المياه الباردة على رؤوس اللبنانيين وإفهامهم أنهم بالغوا كثيراً في الابتهاج بما اعتبر فجراً جديداً في مصيرهم.
والحال أن الأمر الشديد الصدمة يتصل فعلاً بفجر صنعته التطورات والظروف الخارجية الموصولة بأوضاع لبنان، ولكن متطلبات تسييل الإنجازات السريعة المذهلة في تتابع الانفراجات اللبنانية سرعان ما راحت تشيع الإحباط. ولسنا نجزم في أن تعثر الولادة السريعة الموعودة لحكومة نواف سلام ستعني إخفاق الرجل الذي قام من حوله إجماع على كونه رجل الحقبة والمرحلة الإصلاحية الجذرية الموعودة داخلياً وخارجياً، ولكن محاصرته على النحو الحاصل في الأسبوع الأخير بدفق الشروط والفيتوات والتهويلات، كشف ما يرقى إلى مستوى فضيحة من أن معظم القوى الداخلية تفتعل من حيث أرادت وتعمدت أم لم تتعمد ظروفاً قسرية لإقحام الدول الراعية للانفراج اللبناني في صلب عملية تشكيل الحكومة نفسها.
بطبيعة الحال "نجح" الثنائي الشيعي "أمل" و"حزب الله" في توريط البلاد والرئيس المكلف في افتعال العقدة المذهبية الشيعية، بداية عبر تصوير الإبقاء على حقيبة المال للثنائي كأنه عنوان السلم الأهلي! ترافق ذلك مع تحريك معالم الفتنة في ما سمي "مواكب الفتنة" التي جال عبرها أنصار الثنائي ولا سيما منهم أنصار "حزب الله" لليال متعاقبة في أحياء مناطق ذات حساسية طائفية وحزبية عالية ضد الحزب.
ربط "حزب الله" و"أمل" الخارجان من أضخم كارثة أحدثتها الحرب الإسرائيلية على مناطق انتشارهما ونفوذهما وجمهور كل منهما عملية تشكيل الحكومة بمجريات التعثر في تنفيذ اتفاق وقف النار مع إسرائيل، الذي يعد اتفاقاً مباشراً عملياً بين الثنائي والدولة العبرية وما كان توقيع الدولة اللبنانية عليه إلا صورياً وشكلياً. كان ذلك اللغم الأول والأخطر الذي نصبه الثنائي الشيعي للعهد الجديد ورئيس الحكومة المكلف، فيما لم يتنبه كثيرون إلى تزامن اندلاع الموجة الجديدة من التوترات مع إسرائيل في جنوب لبنان مع تصاعد التعقيدات في وجه الرئيس المكلف تشكيل الحكومة في الداخل.
أفاد الثنائي من تعنت إسرائيل في التمديد لمهلة انسحاب قواتها من الجنوب لتوظيف التداعيات في الداخل أكثر بكثير منها في الجنوب، حيث لم يعد "حزب الله" يملك القدرة ولا الحجة على إشعال حرب جديدة مع إسرائيل وسط تداعيات أعتى كارثة استدرجها لجمهوره وللبنان. ولكن المفارقة الأشد غرائبية من هذا التطور، تتمثل في أن الأفرقاء الداعمين نظرياً ومبدئياً لرئيس الحكومة المكلف، سرعان ما راحوا يشكلون الحالة المقابلة المتقاطعة مع اشتراطات وفيتوات الثنائي الشيعي في التعامل مع مخاض تشكيل الحكومة.
ومع أن القوى المناهضة لإعادة تثبيت نفوذ الثنائي، كما كانت في الحكومات السابقة مع كل ما استدرجه ذاك النفوذ من زعزعة للدولة والنظام والمصير العام، تبدو في موقع منطقي كامل لجهة رفض الاستسلام لابتزاز الثنائي، غير أن انهمار الاشتراطات والدفع المبكر بأحكام مسبقة وسريعة على الرئيس المكلف بعدما كان عنوان الإجماع الساحق لدى داعميه، بات يشكل حلقة خطرة من حلقات تسخين سياسي قد يتطور إلى الإطاحة بتجربة نواف سلام كلها.
ما تشهده عملية التأليف الآن يعد تقهقراً وتراجعاً سريعاً وخاطفاً إلى ما قبل البدايات، تماماً كما يحصل في جنوب لبنان من عودة مقلقة لواقع لا يعكس أي وضوح. هل تراها "راحت السكرة"، كما يقال بالعامية؟