.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي قد ندخل عصراً جديداً من الإعلام يختلف كلياً عما عرفناه إلى اليوم...
"استمتعوا بهواتفكم الحقيرة". بهذه العبارة عنونت "ليكسبريس" الأميركية آخر عدد تُصدره سنة 2019. قبلها بسنتين، جاءت أخبار حزينة من لبنان تهمّ مستقبل الصحافة، خصوصاً الورقية منها، فقد شيّع القراء هناك قبل نهاية سنة 2016 جريدة "السفير"، بعد 42 سنة من الحضور في الساحة الإعلامية اللبنانية، التي كانت دائماً نموذجاً في العالم العربي. ولأن الكوارث لا تأتي منفردة، فإن المصير نفسه كان ولا يزال يتربّص بتجارب أخرى.
عالم الصحف الورقية يعيش بلا شك على وقع رحيل صحف ومجلات ورقية بعد سنوات من العطاء. سنة 2013 أقفلت مجلة "نيويورك تايمز" وتحوّلت إلى النت. وفي سنة 2016، أقفلت "الإندبندنت" وتحوّلت أيضاً إلى النت. بصفة عامة، هناك أزمة حقيقية تعرفها الصحافة الورقية، والأكيد أن الأزمة ستتواصل، وهذا ما يؤكّده الصحافي الفرنسي برنار بوليه في كتابه "نهاية الصحف ومستقبل الإعلام"، الذي تنبّأ فيه بتغييرات جوهرية في نشر الصحف الورقية نتيجة تراجع موارد الإشهار، التي تبحث عن وسائط أخرى أكثر قرباً من المستهلكين، إذ اعتبر بوليه أن الأمر لا يتعلق بأزمة ظرفية وعابرة، بل يتجاوز ذلك إلى أزمة بنيوية تكشف عن نهاية مرحلة من صناعة النشر والإعلام والحاجة إلى بدائل جديدة.
قد لا تكون هذه النهاية قدراً حتمياً؛ فصراع الوجود بين وسائل الإعلام تكرر عبر التاريخ المعاصر، إذ إن ظهور الراديو لم يستطع أن ينهي عهد الصحف، وظهور التلفزة لم يستطع أن ينهي حضور الراديو، كما أن ظهور الكتب الإلكترونية لم يستطع أن ينهي عهد الكتاب الورقي، وكذلك الأمر على مستوى المنافسة بين المواقع الإلكترونية وتطبيقاتها الرقمية والصحف الورقية... فالتطور والاستمرارية ارتبطا بتوظيف المستجدات التكنولوجية بشكل أكثر مردودية خاصة تجاه المعلنين. هذه المستجدات المتسارعة تجعل من الصعوبة بمكان توقع المستقبل، حيث الصفة الغالبة اليوم هي سرعة تغيّر الوسائط، الأشكال والتكنولوجيا.
من جانبه، يؤكّد الاقتصادي الأميركي جريمي ريفكن أن للأمر طابعاً بنيوياً، فالاقتصاد القائم على المعرفة يسير إلى ما يسميه "التكلفة الصفرية"، وهو ما يتحقق اليوم عبر الإعلام الإلكتروني المجاني أو شبه المجاني، إذ يعتبر أن الصناعة الإعلامية هي أول القطاعات التي دخلت عصر التكلفة الصفرية، وأن هذا الواقع سيمتدّ إلى صناعات أخرى مع التطور الهائل الذي تعرفه التكنولوجيا، والذي سيغيّر بصفة كليّة طبيعة العلاقات الإنسانية. هذا الأمر يهمّ أيضاً تطبيقات الذكاء الاصطناعي، فنحن شهود اليوم على الكيفية التي تسبّب بها التطبيق الصيني DeepSeek، الذي لم تتجاوز تكلفة تطويره 5,4 ملايين دولار، بخسارة تقارب التريليون دولار لمطوّري الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة الأميركية، حيث خسرت Nvidia وحدها 17٪ من قيمتها السوقية لتبلغ 500 مليار دولار.
من جانب آخر يرتبط الحديث عن الصحافة الورقية بأجيال لها تقاليد في القراءة، حيث تظهر الجوانب الثقافية والشخصية والنفسية لتعلّق الناس بقراءة ما هو ورقيّ في مقابل أجيال أخرى، خاصة التي تزامن ميلادها مع ظهور اللوحات الإلكترونية والهواتف الذكية، والتي لا تملك التقاليد نفسها، وهو ما يعني أن عملية التحول من المكتوب إلى الإلكتروني ترتبط بشكل أساسي بدخول أجيال جديدة، وبرؤية جديدة، وبانتظارات جديدة بحاجة طبيعية لإعلام جديد، وهو ما ينعكس سلباً على الموارد المالية للصحف الورقية، نتيجة بحث المعلنين عن فضاءات جديدة ومختلفة للتأثير على المستهلكين.
قد يكون أمل الصحف الورقية مستقبلاً هو في الأجيال التي لا تزال ذات ارتباطات عاطفية بما هو ورقيّ، لكنها أجيال على كل حال تسير في اتجاه الانخفاض، ولولا تحسّن أمد الحياة في عدد كبير من بقاع العالم لكانت النهاية قريبة جداً. لكن هذه الفئة لربما يتم استهدافها بشكل غير متوقع؛ ففي سنة 2018، اتفقت فيدرالية الناشرين ووزارة الاتصال في المغرب - قبل أن يتراجعا عن ذلك - على اتخاذ إجراء قانوني يحول دون السماح بالقراءة "العمومية" للجرائد المكتوبة في المقاهي، وذلك على خلفية دراسة أنجزتها الفيدرالية بتمويل من الوزارة، تقول إن الصحافة الورقية في المغرب ساعتها، كانت تخسر حوالي 150 مليون درهم نتيجة قراءة الصحف بالمجان في المقاهي. منع قراءة الصحف في المقاهي أو بالتدقيق منع أرباب المقاهي من تمكين الزبائن من قراءة مجانية للصحف الورقية، التي كانت ملازمة للمقاهي المغربية منذ سنوات، تعكس في واحد من جوانبها الإيجابية أن فعل القراءة لا يزال موجوداً في المجتمع، لكنها في جوانب أخرى تعكس ضعف القدرة الشرائية، باعتبار سعر الجريدة مقارنة ببعض المواد الاستهلاكية الأساسية، وكذلك عدم الاقتناع بجودة المنتج الصحفي إلى درجة استحقاقه لمبلغ ماليّ معيّن؛ لذلك تفضل الأغلبية القراءة المجانية. هذه القراءة لم تكن في الواقع الخطر الذي يتهدّد الصحافة الورقية، بل إن عدم قدرتها على مواكبة تحولات اقتصاد المعرفة والعادات الجديدة للقراء هي السبب.
لقد نجحت الرأسمالية في بلوغ التكلفة الصفرية في الإنتاج في صناعة الإعلام، وهو الهدف الذي كان رهان كل الرأسماليين في مختلف المجالات. لكن المفارقة هي أن الرأسماليين كانت غايتهم من التكلفة الصفرية هي تعظيم الأرباح والنزول بالتكاليف إلى الصفر أو ما يقترب منه. وتشاء الصدف أن يكون قطاع الإعلام هو أول قطاع يحقق التكلفة الصفرية، حيث أصبح المتلقي يطلع عبر هاتفه الذكي الرخيص على الأخبار والمعلومات من مصادر مختلفة، وبلغات متعددة بصفر درهم تقريباً؛ لهذا أغلقت صحف ومجلات عريقة في العالم لأنها لم تستطع أن تواكب هذا التحوّل الجذري، وربما في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي قد ندخل عصراً جديداً من الإعلام يختلف كلياً عما عرفناه حتى اليوم.