.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
لا يهاجم ماسك كل دول أوروبا، بل فقط تلك التي تقود نموذجاً سياسياً واقتصادياً مخالفاً لتوجهاته التحريرية المطلقة، والتي يتقاسمها مع الرئيس ترامب...
بين الملياردير –الأكثر تأثيراً – وأوروبا سوء تفاهم عميق، لم يبدأ بانضمام إيلون ماسك إلى فريق الرئيس المنتخب دونالد ترامب في منصبٍ مستحدثٍ يسمى "وزارة زيادة الكفاءة الحكومية". لكن البداية كانت منذ استيلاء ماسك على منصة أكس -تويتر سابقاً- عندما كثف الاتحاد الأوروبي تحقيقاته في سياسات المنصة، بسبب انتهاكات محتملة لقانون الخدمات الرقمية، حيث طلبت المفوضية الأوروبية وثائق داخلية توضح بالتفصيل خوارزميات التوصية الخاصة بأكس والتعديلات الأخيرة، بهدف تقييم الامتثال لقواعد تعديل المحتوى وتضخيمه. فالصراع بين الطرفين يدور حول النفوذ السياسي المتناقض، بين نزعٍ يميني متطرف لدى ماسك في مواجهة هواجس أوروبية حول تصاعد الشعبوية اليمينة في القارة وإمكانية تسليم زمام نفسها للشعبوية الأميركية.
يدعم ماسك بشكل علني الفصائل السياسية اليمينية في أوروبا، وبخاصة حزب البديل من أجل ألمانيا، ذي النزعات النازية الجديدة، واصفاً زعيم الحزب بأنه "آخر شرارة أمل" في ألمانيا، ودعا إلى فرض قيود على الهجرة للحفاظ على الثقافة الألمانية. وقد وصف المستشار الألماني أولاف شولتز الصداقة التي تربط الملياردير الأميركي باليمين المتطرف بكونها "تهديداً" للديموقراطية في أوروبا. وهو الموقف نفسه الذي عبرت عنه المستشارة السابقة، أنجيلا ميركل، بقدر أكثر من الخوف، مشيرةً إلى أن ماسك يملك 60% من الأقمار الصناعية في الفضاء، وبذلك يشكل مصدر قلق كبير لأوروبا، وقد يكون تحدياً غير مسبوق إذا استخدم قوة شركاته المالية أو التكنولوجية لمحاولة التأثير على الدول. وقد دعم ماسك أخيراً سياسيين من اليمين الشعبوي الأوروبي بعبارات واضحة بشكل متزايد، بما في ذلك رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني وزعيم حزب الإصلاح في المملكة المتحدة نايجل فاراج. وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، تفاخر فاراج بأن ماسك "يقف خلفه مباشرة"، وأثار احتمال أن يدعم قطب التكنولوجيا مالياً حزبه الإصلاحي في المملكة المتحدة. وقد ذهب ماسك بعيداً للمطالبة بإقالة رئيس الوزراء العمالي، كير ستارمر، واتهامه بـ"التواطؤ في الاغتصاب" عندما كان في منصب المدعي العام في ويلز. وفي الوقت نفسه، طالب ماسك أيضاً بالإفراج عن زعيم اليمين المتطرف البريطاني، تومي روبنسون، الذي سُجن العام الماضي بتهم تتعلق بالعنف والكراهية.
لا يهاجم ماسك كل دول أوروبا، بل فقط تلك التي تقود نموذجاً سياسياً واقتصادياً مخالفاً لتوجهاته التحريرية المطلقة، والتي يتقاسمها مع الرئيس ترامب. تمثل ألمانيا وفرنسا والحكومة العمالية في بريطانيا الثالوث الذي مازالت متشبثاً بالرأسمالية في ثوبها النيوليبرالي، الذي تملك فيه الدولة قدراً كبيراً من السلطة. في المقابل يريد ماسك تخفيضات أكبر وأوسع في الميزانية وتخفيضات جذرية في الإنفاق العام، ولذلك نجده داعماً قوياً للرئيس الأرجنتيني خافيير مايلي وأيديولوجيته التحررية المتطرفة. وتمثل الأفكار التحررية مصالح المستثمرين الرأسماليين -لاسيما في قطاعي التكنولوجيا والمالية- في حين تجد هذه الأيديولوجيات حليفاً سياسياً طبيعياً في أقصى اليمين، الذي يبني على السخط الاجتماعي المتزايد.
لكن اللافت أن إيلون ماسك يبدو صامتاً إلى حد ما في ما يتعلق بالصين، ولا يهاجم بكين كما يفعل مع أوروبا. بل على العكس من ذلك، فقد تمت دعوته في كثير من الأحيان للتحدث في الصحف والمؤسسات الصينية. يحرص ماسك بشدة على أن تظل الصين لاعباً دولياً رئيسياً في مجال الذكاء الاصطناعي. وهو موقف مفهوم نظراً لتأثير الصين الكبير من حيث حصة السوق والإنتاج، وهي عناصر أساسية للنظر في تنظيم الذكاء الاصطناعي على نطاق عالمي. علاوة على ذلك، يحتفظ ماسك بعلاقات وثيقة مع الصين، والتي تمليها ليس المصالح الاقتصادية الواضحة وحسب، ولكن أيضاً لأن هذه البيئة تسمح له بمشاركة وجهات نظر قد لا تلقى استحساناً كبيراً في الغرب. على سبيل المثال، في مقال نشرته وكالة الأمن السيبراني الصينية، تحدث ماسك بحرية أكبر من المعتاد عن المستقبل الذي يتصوره لروبوتاته الذكية، وذهب إلى حد التنبؤ بأنها ستحل محل جميع الأنشطة البشرية. في المقابل يتصور الرجل أن الغرب – ولاسيما الأوروبي- سيكبح خطابات معينة في حين ستتبنى الصين نهجاً مختلفاً جذرياً. ورغم أنه ربما لا يشارك الصين في الكثير من سياساتها، إلا أنه يبدو يرى الفوائد من خلال عدسة السوق الحرة للأفكار. بالنسبة إلى ماسك، يمكن اعتبار النهج الصيني في المناقشة حول الدور المستقبلي للتنقية الفائقة مفيداً، حتى لو كانت الصين قد أخذت زمام المبادرة في تنظيم الذكاء الاصطناعي للاستخدام الشخصي وليس الحكومي، وهو ما يثير الشكوك السياسية. في المقابل، يشعر ماسك بازدراء واضح للنموذج الأوروبي، وبخاصة الأطر التنظيمية مثل قانون الخدمات الرقمية وقانون الذكاء الاصطناعي، الذي يعتبره أشكالاً من أشكال الرقابة.