نفط كردستان أم الدولة الكردية في العراق

كتاب النهار 23-01-2025 | 01:15
نفط كردستان أم الدولة الكردية في العراق
عملياً لا يمكن لبغداد أن تقول إن أربيل تابعة لها إلا على مستوى الجغرافيا السياسية.
نفط كردستان أم الدولة الكردية في العراق
مطار أربيل أهم من مطار بغداد على المستوى الدولي (أ ف ب)
Smaller Bigger

هل الخلاف المستمر بين حكومتي بغداد وأربيل هو شأن داخلي حقاً، كما ورد في اعتراض بعض أعضاء مجلس النواب العراقي على تصريحات مسؤول في الخارجية الأميركية ذهب فيها إلى تأكيد الدور الأميركي في المفاوضات بين الطرفين؟ على مستوى اقتصادي نجحت حكومة بغداد في استصدار قرار قضائي دولي توقفت حكومة أربيل بموجبه عن تصدير النفط المستخرج من أراضي الإقليم الكردي، وهو ما أعاد الأمور إلى سويتها الدستورية. لم يعد هناك نفط كردي بل إن الثروة النفطية هي ملك الشعب العراقي كله بغض النظر عن مكان استخراجه. 

في المقابل، فإن أي تلكؤ من قبل الحكومة العراقية في دفع مستحقات الإقليم يؤدي إلى نشوب أزمة مالية لن تتمكن حكومة أربيل بسببها من دفع رواتب موظفيها، إضافة إلى العجز عن تغطية نفقاتها التشغيلية. وإذا ما كان الإقليم الكردي بخلاف أجزاء العراق الأخرى قد شهد بعد 2003 نهضة عمرانية ساهم الاستقرار الأمني في إنمائها من خلال تحويل الإقليم إلى مقصد سياحي، فإنه بعد توقف تصدير النفط والتباطؤ المتكرر في إقرار الموازنة الاتحادية دخل في نفق أزمة مالية أدت إلى انخفاض أسعار العقارات وتراجع الخدمات، ما أدى إلى ضعف الإقبال السياحي. كل ذلك يدخل في باب الضغط الذي تمارسه حكومة بغداد على حكومة أربيل، التي كانت ولا تزال تعيش أزمة سياسية بسبب توزعها بين فريقين مختلفين في أجندتيهما السياسيتين. ولكن ذلك لا يعني أن في إمكان بغداد أن تملي على أربيل أي قرار إداري أو فني مهما كان صغيراً وغير مؤثر. واقعياً يعود استقلال الإقليم الكردي إلى عام 1991 وليس إلى عام 2003. 

لا وصاية لبغداد على أربيل

قبل أن يُمكّن المحتل الأميركي الأحزاب الشيعية من بغداد عام 2003 كانت للأكراد حكومة مستقلة في أربيل نشأت بعد أن منع مجلس الأمن الطيران العراقي من التحليق فوق المنطقة الكردية بعد حرب تحرير الكويت عام 1991. صحيح أن مسعود البرزاني وهو زعيم الحزب الديموقراطي الكردستاني الحاكم في أربيل كان قد استنجد بالجيش العراقي حين وقعت الحرب الثنائية بين حزبه وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني المتمركز في السليمانية عام 1996، غير أن ما حدث كان الهدف منه منع إيران من اختراق الإقليم بسبب العلاقات التاريخية التي يرتبط من خلالها حزب أسرة الطالباني بإيران.

لقد ذهب الزمن الذي يمكن لبغداد فيه أن تمارس دور الوصاية في الإقليم الكردي الذي صوت سكانه عام 2017 لصالح استقلاله عن العراق. ولولا الموقف الأميركي المتجهم لذهبت دولة كردستان إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة ونالت الأصوات التي ترجح استقلالها وانضمامها إلى المنظمة الدولية.

في سياق تلك المعطيات لا يمكننا إنكار أن الدولة الكردية التي حالت الولايات المتحدة دون استقلالها هي صنيعة أميركية. ذلك لا ينفي أن الأكراد ناضلوا وقدموا التضحيات الكبيرة عبر عقود من الزمن من أجل إنشاء وطنهم القومي، غير أن ذلك الحلم ما كان له أن يتحقق لولا الحماقة التي ارتكبها صدام حسين في احتلال الكويت. كان استقلال الأكراد بدولتهم واحدة من نتائج تلك الحماقة. لذلك، فإن الزعماء الكرد حين حضروا مؤتمر لندن للمعارضة العراقية نهاية عام 2002 كانوا أصحاب خبرة في التحرر من النظام الذي سيتم إسقاطه. ولقد لعب مسعود البرزاني دوراً مهماً في حل الخلافات الشيعية- الشيعية والشيعية- السنية ولسنوات لولا أن إيران أصدرت تعليماتها بمنع ذلك. 

المسألة الكردية ليست شأناً داخلياً

في كل ما يتعلق بالعراق ما من شيء اسمه الشأن الداخلي العراقي؛ فالعراق بلد مخترق من كل الجهات. فهل الحشد الشعبي على سبيل المثال شأن عراقي؟ يمكن للشأن أن يكون عراقياً إذا ما كان قد صُنع بناء على حاجة عراقية واستجابة لخيال عراقي مشترك. أما أن تكون هناك حكومة في بغداد وحكومة في أربيل تحتال الواحدة على الأخرى فيما تنكد إحداهما سبل العيش على الثانية، فإن ذلك يؤكد أن هناك خللاً في المعادلة هو من صنع طرف ثالث.

عملياً لا يمكن لبغداد أن تقول إن أربيل تابعة لها إلا على مستوى الجغرافيا السياسية. وهو درس نظري لا يملي شروطه على الواقع. لقد صنعت الولايات المتحدة ميزان العلاقة ما بين الأكراد في دولتهم وبين وجودهم الرمزي في دولة اسمها العراق لا تملك عليهم أية سلطة. بعد سنوات قليلة سيحتاج ممثلو حكومة بغداد إلى مترجمين إذا ما اجتمعوا بممثلين من حكومة أربيل.

انتهى زمن اللغة العربية في الشمال العراقي وصارت لغة العدو. لا يمكن استبعاد الدور الإيراني عما تقوم به بغداد وهي تسعى إلى إفشال التجربة الكردية في نجاحها الذي لا يخلو من فساد. ما لا يعرفه الكثير من العراقيين أن مطار أربيل صار أهم بكثير من مطار بغداد على المستوى الدولي. ولأن الإقليم الكردي منفصل تماماً عن العراق بإرادة دولية، فإن الحديث عن الشأن الداخلي هو عبارة عن كذبة.

الجزء الحالم من الحكاية 

مشكلة الأحزاب الشيعية في العراق أنها تستند في النظر إلى خلافاتها مع الإقليم الكردي إلى الرؤية الإيرانية ولا تعود إلى الرؤية الأميركية التي هي الأساس. فلا حل للخلافات بين بغداد وأربيل من غير العودة إلى الراعي الأميركي. أما التعليمات التي تصدر من إيران فيمكن وضعها على الرف. وكما أرى فإن زمن الوصاية الإيرانية قد انتهى بعد ما جرى في غزة ولبنان وسوريا. كل النصائح الإيرانية باتت منتهية الصلاحية. ذلك ما يتعلق بحكومة بغداد. غير أن هناك زمناً لا يزال الأكراد في حاجة لاختراعه من أجل أن يكونوا مؤهلين لخوض تجربة بناء دولة لن تكون عالة على دولة أخرى. من غير ذلك ستظل دولتهم حلماً شعبياً يتم تداوله في الحكايات.