.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
عوضاً عن تقريع "النسويات العلمانيات الفاسقات" على "جحودهن" تجاه من "يحمونهن"، حبّذا لو تحلّيتم ببعض التعاطف، وتفهّمتم سرّ نفورنا من "الحماية".
"النسويات العلمانيات الفاسقات"، كما نُلقب في العالم العربي، غاضبات من القرار المثير للجدل بفصل النساء عن الرجال في حافلات النقل العام في سوريا الجديدة، ويعتبرنه مؤشراً آخر على أسلمة البلاد. مؤيدو القرار غاضبون بدورهم من غضب "النسويات العلمانيات الفاسقات"، ويعتبرونه في غير محله. وأنا -رغم انتمائي للنسويات العلمانيات الفاسقات- قد أستطيع التقريب بينهما.
يجادل مؤيدو القرار بأن فصل النساء يقيهن التحرّش، تلك الآفة التي يزعمون أنها نغّصت طويلاً على السوريات ارتياد المواصلات العامة. إنه الحلّ السريع الذي لجأ إليه الكثيرون من قبل في وسائل نقلهم العام، خصوصاً من خلال مقصورات القطارات النسائية، فتحضر حتى في دول غير إسلامية مثل اليابان والبرازيل والمكسيك.
وحتى حيثما لا يشكّل التحرش ظاهرة مزعجة في مدن مثل دبي والدوحة، ويسود الإسلام المعتدل، تتوفر مقصورات المترو النسائية لتؤمّن الأريحية القصوى والخصوصية، وتستخدمها الأوروبية المتحررة قبل المواطنة الخليجية المحافظة.
لماذا تستاء "النسويات العلمانيات الفاسقات" إذن، وكأنما يدلّ القرار بالضرورة على مسخ دمشق إلى قندهار؟ وكيف لا يرين أن القرار يسعى لحمايتهن؟
وهنا أعتقد بأن العتب على النسويات يكشف عن عمق الفجوة بين الطرفين.
لا يدرك مؤيدو القرار بأننا كنساء عربيات نحمل في حمضنا النووي "تروما" منفصلنا المطوّل عن الفضاء العام. إننا مثقلات بذكرى "الحرملك"، وطمس الوجه والاسم والهوية، وحتى طمس أقلام المثقفات والمبدعات، والحرمان من الخروج للتعليم والعمل والسفر. إننا مسكونات بكابوس العالم المحدود جداً، الذي كان لا يتجاوز حارة المرأة، أو "ضيعتها". إنه "أبارتايد" عُزلت فيه المرأة عن المجتمع والحياة، ولا يزال واقعاً بالنسبة لملايين النساء العربيات والمسلمات على اختلاف دولهن.
لا يدرك مؤيدو القرار بأن العودة إلى ذلك الوضع يرعب "النسويات العلمانيات الفاسقات" إلى حدّ يساومن معه حتى على راحتهن وخصوصيتهن.
فالمرأة العربية المعاصرة، ولشدّة هلعها من أن تُسحب شيئاً فشيئاً من الفضاء العام، باتت على استعداد لأن تفرّط في الفرصة -مثلاً- لارتياد مواصلات عامة نسائية، حيث ستتجنب التحرش اللفظي والجسدي، وتصوير أحد المرضى خلسة تحت تنورتها؛ إنها ستفضّل ركوب الحافلة أو مقصورة المترو التي قد تتكبّد فيها بعض المضايقات على أن تجد نفسها على الهامش مجدّداً، في "هودج" حديديّ "تختفي فيه" تدريجياً، فلا يُسمع فيه صوتها، ولا تؤخذ فيه على محمل الجدّ.
وهي بالمثل ستنزعج من الطابور المخصص للنساء، والجامعات النسائية، وأفرع البنوك النسائية، ومساحات العمل المشتركة النسائية، وإن بدت جميعها مثالية على الورق، وعامرة بالسلام والطمأنينة.
هذه المرأة ترتاب حتى من الأمان والخصوصية؛ فذلك هو الشعار الذي لطالما استُخدم لحبسها بين أربعة جدران، وحرمانها الأوكسجين، "واللي اتلسع من الشوربة ينفخ في الزبادي".
فعوضاً عن تقريع "النسويات العلمانيات الفاسقات" على "جحودهن" تجاه من "يحمونهن"، حبّذا لو تحلّيتم ببعض التعاطف، وتفهّمتم سر نفورنا من "الحماية".