غزة... الجميع انتصر باستثناء الشعب الفلسطيني!

كتاب النهار 17-01-2025 | 02:39
غزة... الجميع انتصر باستثناء الشعب الفلسطيني!
يظهر أن الجميع "انتصر" باستثناء الشعب الفلسطيني، الذي كان مطالباً بالصمت صوناً للإجماع الوطني...
غزة... الجميع انتصر باستثناء الشعب الفلسطيني!
الحرب على غزة تحولت إلى حرب عبثية (أ ف ب)
Smaller Bigger

عندما قال ترامب إن الحرب في غزة يجب أن تتوقف وإن الرهائن يجب أن يطلق سراحهم وإلا فإن المنطقة ستواجه الجحيم، تساءل كثيرون عما إذا كان ما تعرفه غزة منذ سنة ونصف ليس جحيماً، فكيف يكون الجحيم إذاً؟

ترامب في الواقع كان يوجه خطابه لجميع الأطراف بما في ذلك بنيامين نتنياهو، ذلك أن قبول الأخير باتفاق وقف إطلاق النار في غزة، كما أعلن عن تفاصيله ومراحل تنفيذه، وهو ما كان معروضاً على الأطراف من إدارة بايدن منذ بداية شهر آيار/ مايو 2024، لا يمكن تفسيره سوى بعاملين؛ الأول هو أن رئيس الوزراء نتنياهو امتنع عن تقديم هدية لإدارة بايدن في عز الحملة الانتخابية الرئاسية وادخرها لدونالد ترامب. والعامل الثاني يتمثل في كون الحرب على غزة تحولت إلى حرب عبثية، فلم يعد هناك شيء يتحرك في القطاع يستحق إطلاق النار عليه.

ورغم القضاء على قادة "حماس" الكبار من السياسيين والعسكريين، فإن العقدة الأساسية المتمثلة في تحرير الرهائن، لم تتحقق بالنظر إلى التعقيدات أمنياً وعسكرياً، وأساساً لأنها الورقة الوحيدة التي بقيت في يد "حماس" للتفاوض بها، على الرغم من عبثيتها وعدم معقوليتها، وهو ما يتجلى في مضمون الاتفاق الذي قبله الجميع؛ ففي مقابل تحرير كل الرهائن الإسرائيليين سيتم تحرير نحو 1650 أسيرة وأسيراً فلسطينياً.

يبدو أن الجميع "انتصر" في غزة.

"حماس" تردد بكثير من جرأة إنكار الواقع، أنها انتصرت عندما نجحت في مواجهة إسرائيل وحلفائها واستطاعت أن تصمد أكثر من 500 يوم، وأن إسرائيل بجبروتها وعتادها ومخابراتها وتكنولوجيتها لم تستطع أن تصل إلى كل الرهائن سوى عبر المفاوضات.

وإسرائيل انتصرت أيضاً لأنها أعادت قطاع غزة إلى العصور الحجرية، واغتالت منظري ومنفذي عملية طوفان الأقصى وهما السنوار والضيف، كما نجحت في اغتيال صالح العاروري في قلب الضاحية الجنوبية لبيروت وإسماعيل هنية في قلب ثكنة للحرس الثوري في طهران. مكاسب إسرائيل الأخرى لا تعد ولا تحصى، فهي استطاعت تفكيك محور المقاومة، بالقضاء عسكرياً وسياسياً على "حزب الله"، وجعل الحزب مع حركة أمل بلا أنياب في تدبير التحول السياسي في لبنان الذي حمل جوزف عون إلى الرئاسة ونواف سلام إلى رئاسة الحكومة، كما انتصرت إسرائيل بسقوط نظام الأسد وهو ما منحها غطاء لتدمير البنية التحتية ومعدات الجيش السوري وقطع دابر الحضور الإيراني في سوريا ومعها خطوط الإمداد، وانتصرت إسرائيل أيضاً لأنها ستسترجع رهائنها وفق مقاربة جديدة مختلفة تماماً عن صفقة شاليط التي كانت الحافز الأكبر لعملية طوفان الأقصى والتي كان الهدف منها محدوداً في أسر بعض الإسرائيليين، للتفاوض من أجل تحرير الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية وفقا للشعار الذي رفعه السنوار ساعتها "الجميع مقابل الجميع" والنتيجة يعرفها الجميع. بل لسخريات القدر أصبحت جثة السنوار موضوع تفاوض مقابل الرهائن. إسرائيل انتصرت أيضاً عندما أثبتت لكثيرين خطأ تشكيكهم في قدرة الجيش الإسرائيلي على خوض حرب شوارع وأنفاق في بيئة خاصة ومكتظة ديموغرافياً كقطاع غزة، بل وفي تحمل الخسائر البشرية ولو كانت محدودة، كما انتصرت إسرائيل من خلال توحيد صفوفها، وانتصر نتنياهو بصفة شخصية لأنه استطاع أن يمدد حياته السياسية خارج القضبان على الأقل سنة ونصف. 

أميركا أيضاً انتصرت لأنها نجحت في إدارة الرشقات الصاروخية بين طهران وتل أبيب دون أن يتحول الأمر إلى حرب إقليمية، ووظفت السياق الإقليمي الجديد في تقليم أظافر طهران ونزع مخالبها في سوريا ولبنان مع تغيير المعادلة السياسية في البلدين، فإذا كانت سوريا ولبنان (حزب الله) عشية طوفان الأقصى جبهات مقاومة وإسناد وحشد لوجيستي، فإنها اليوم على النقيض من ذلك، بل حتى ميليشيات إيران في العراق تم تحييدها أميركياً، بينما يتم تدمير ما تبقى لدى الحوثيين من قدرة...

هكذا يظهر أن الجميع "انتصر" باستثناء الشعب الفلسطيني، الذي كان مطالباً بالصمت صوناً لإجماع وطني قسري مفترى عليه، علماً أن الغزيين صيف 2023 أطلقوا صرخة كبيرة ضد "حماس" وحصار إسرائيل للقطاع بعنوان "بدنا نعيش"، فإذا كان هذا هو مطلب سكان غزة عشية السابع من تشرين الأول فما هي مطالبهم اليوم بعد كل الدمار والهمجية والقتل التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي؟