تسليم ابن القرضاوي: ضربة جديدة لـ"الإخوان"

كتاب النهار 13-01-2025 | 20:46
تسليم ابن القرضاوي: ضربة جديدة لـ"الإخوان"

القدر جعل تسليم ابن القرضاوي يحدث وسط زخم حملة بدأها الإخوان منذ فترة لاستغلال شهر كانون الثاني/يناير لدعوة المصريين إلى تخريب "مفاصل" الدولة المصرية...

تسليم ابن القرضاوي: ضربة جديدة لـ"الإخوان"
لماذا لم يعتمد الإخوان سياسة النفس الطويل؟ (أ ف ب)
Smaller Bigger

ليس مبالغة اعتبار أن طرد عبد الرحمن القرضاوي من سوريا، ثم توقيفه في لبنان، ثم تسليمه إلى دولة الإمارات، مثّل ضربة شديدة لتنظيم "الإخوان"، إذ أفسدت خطط التنظيم وحلفائه من المقيمين في دول غربية، لرسم صورة، حاولوا على مدى سنوات ترسيخها في عقول الناس، وأنفقوا عليها أموالاً ضخمة من ممولي التنظيم ومستخدميه، مفادها أن "الإخوان" ما زالوا يحتفظون بتأثير داخل مصر وخارجها، وأنهم سيعودون قريباً إلى حكم مصر ومنها سينطلقون للسيطرة على العالم العربي. وأظهر ذلك التطور صورة حقيقية لأوضاع "الإخوان" وأحوالهم تثبت أنهم  يعيشون رعباً دائماً سيلازمهم، وأن العالم، حتى لو فيه بعض الأشرار، مقتنع بفسادهم وخطورتهم على الإنسانية. أما أنظمة الحكم التي هاجمها ابن القرضاوي من ساحة المسجد الأموي في دمشق، والشعوب التي دعاها إلى الفتنة والفوضى، قد تعاني أزمات، أو قد تختلف بعضها مع البعض الآخر بشأن بعض التفاصيل أو حتى المصالح، لكنها ستواصل مواجهة "الإخوان" وعمالة حلفائهم ومؤامرات من يستخدمونهم. 

اللافت أن القدر جعل تسليم ابن القرضاوي إلى الإمارات يحدث وسط زخم حملة بدأها "الإخوان" منذ فترة لاستغلال شهر كانون الثاني/ يناير لدعوة المصريين إلى تخريب "مفاصل" الدولة المصرية تحت لافتة "ثورة المفاصل"، فحلّ الشهر ليسهم تسليم عبد الرحمن القرضاوي إلى الإمارات في ضرب "مفاصل" مطاريد "الإخوان" والذين ساروا في ركابهم.

يسأل بعض المصريين أنفسهم على خلفية إصرار تنظيم "الإخوان" على المضي في الطريق نفسه الذي صرف الناس عنه وأفقده تعاطفاً جماهيرياً كان يحظى به ووضع قادته ورموزه وعناصره في لوائح الإرهابيين وأفقده حضوراً على المسرح السياسي في مصر ودول أخرى: هل كان ضرورياً أن يحكم "الإخوان" مصر حتى يكتشف الناس حقيقتهم؟ كيف نال "الإخوان" تعاطفاً كبيراً على مدى عقود سرعان ما انهار بعدما حكموا البلاد؟ هل كان السبب قلة خبراتهم السياسية أم رغبتهم في أخونة الدولة، أم سعيهم إلى القضاء على معارضيهم؟ لماذا لم يعتمد "الإخوان" سياسة النفس الطويل لأخونة الدولة وسارعوا باتخاذ قرارات واعتماد سياسات أدت في النهاية إلى المصير المزري الذي آل إليه تنظيمهم؟ ولماذا لم يراجع قادة التنظيم سياساتهم وخططهم وتصرفاتهم وتحالفاتهم ليستردوا مكانة تنظيمهم وحضوره واستمروا في حساباتهم الخاطئة وتصوروا أن تحالفاتهم مع دول تضمر العداء، ولو سراً، لمصر والسعودية والإمارات يضمن لهم تحقيق أحلامهم؟

ظلت حسابات قادة "الإخوان" ورموز التنظيم الدولي للجماعة، منذ حكم محمد مرسي مصر خاطئة، أو قل كارثية، بالنسبة للجماعة، وربما مبهرة وإيجابية بالنسبة لمصر، إذ لم يدركوا وقتها الحجم الحقيقي للغضب الشعبي تجاه الطريقة التي أديرت بها البلاد طوال سنة كاملة، واعتقدوا أن حضورهم في الشارع كفيل بأن يخفي أعداد المعترضين الغاضبين، وتصوروا أن الجيش سيتخلى عن الشعب ولن يستجيب للمطالب بإنقاذ البلاد من حكم الجماعة، وحتى الشكوك داخلهم من احتمال أن ينضم الجيش للإرادة الشعبية تبددت بفعل وهم مساندة قوى إقليمية ودولية لهم، فلا يجد الجيش ومعه الشرطة إلا الانضمام إلى "الرئيس" مرسي وينتهي الأمر وتعبر الجماعة الأزمة وتستمر في الحكم 500 عام بحسب ما قاله نائب المرشد وقتها خيرت الشاطر!

وحين اختار التنظيم العودة لبث الفتن اعتقد قادته أن الشعب المصري سيقبل أن يحكمه مجدداً هؤلاء الذين روعوه وقتلوا أبناءه وتحولوا إلى أدوات تحركها قوى خارجية، فكانت النتيجة أن فقد "الإخوان" أي فرصة للعودة، حتى، للمسرح السياسي.

كشفت واقعة تسليم ابن القرضاوي الحالة المزرية التي وصل إليها التنظيم ومدى ضعفه وعجز قادته عن مواجهة أزماتهم، وعكست إصرار "الإخوان" على خسارة ما تبقى لهم من وجود دون إدراك أسباب الفشل المتكرر للتنظيم وقادته والذي، ولحسن حظ المصريين، لم يتداركوه، ووصل الحال الآن أن زاد حجم الفجوة بين الواقع على الأرض وحقائق الأمور في البلاد، وبين ما يدور في عقول "الإخوان" وعزمهم هدم الدولة على من فيها.

ولا يصدق "الإخوان" أنهم فقدوا قاعدة شعبية، وأن الناس في مصر إذا خيروا ما بين أي حكم وأي ظروف وأي صعوبات حياتية وبين عودة "الإخوان" إلى الواجهة السياسية فإنهم سيختارون حتماً مواصلة حصار الجماعة ومطاردتها والتصدي لمؤامراتها والانتباه إلى خططها ومحاولاتها لنشر الفتن في البلاد، وترسيخ قناعة القوى والأجهزة الأجنبية التي تساند "الإخوان" أن لا أمل في عودتهم للحكم، وأن الإرادة الشعبية المصرية وتماسك الدولة، إضافة إلى جهود دول أرادت الخير لمصر وللمصريين كالمملكة العربية السعودية والإمارات، أسباب مكنت مصر من تحمل الضغوط وعبور النفق المظلم وإطاحة حلم التمكين وسببت محنة لدول أخرى دعمت "الإخوان" وساندتهم وعولت عليهم، ورأت في حكم ذلك التنظيم لمصر بداية تغييرات في منطقة الشرق الأوسط تمنحها أدواراً إقليمية ظلت تخطط من أجلها، وأن سياسات التنظيم الكارثية في النهاية أتت في صالح المصريين وحققت نتائج مفجعة له ومبهرة للإنسانية!