في سبيل حماية سينج وخان

كتاب النهار 11-01-2025 | 02:40
في سبيل حماية سينج وخان
...لنبقى قادرين على التصريح بعدائنا لكل مجرم وسارق وانتهازي وبيدوفيلي وإرهابي من بينهم بالأريحية نفسها التي نصرح بها بعدائنا للمخلل في الساندويتش.
في سبيل حماية سينج وخان
توقفوا حيث أنتم، واكتفوا بهذا القدر من التقدم (أ ف ب)
Smaller Bigger

مرحباً، أيها القرّاء العرب في الألفية العاشرة. سمعت بأنكم قد دحرتم العنصرية -وأخيراً- أو -على الأقل- لم تعد صفاء الهاشم، النائبة السابقة في مجلس الأمة الكويتي، تستطيع المناداة ساخرة بفرض الرسوم على الهواء الذي يتنفّسه الوافدون، ولم يعد خصوم وسيم يوسف الفكريون يجرؤون على معايرته بكونه "مجنّساً" بينما هم إماراتيون أقحاح. 

حسناً، توقفوا حيث أنتم، واكتفوا بهذا القدر من التقدم.

أكتب إليكم من القرن الـ21، وفي الأيام التي يعيد في خلالها العالم الغربي فتح ملف العصابات المتفرّقة في المدن البريطانية، والتي استدرجت واغتصبت ما لا يقلّ عن 1400 قاصرة بريطانية بين سنتي1997 و2011، ثمّ استخدمت العنف والتهديد لإخضاعهنّ.

إن أشدّ ما يستنفر له العالم الغربي حالياً هو كيف أن السلطات والإعلام البريطانيين -وخوفاً من اتهامهما بالعنصرية والإسلاموفوبيا- اتفقا على غضّ البصر عن هذه العصابات، لأن الأغلبية الساحقة، والتي ربما تربو على 90% من أفرادها، من أصول باكستانية وأفغانية وهندية وبنغالية، ويحملون أسماء مثل محمد وآصف، وأسماء عوائل مثل سينج وخان، بل إن الشرطة في بلدة روثيرام رفضت تسجيل إثنية المشتبه به في 67% من الحالات لتفادي ذكر الأصول الباكستانية.

لقد أعلنها أحد محققي الشرطة في مدينة تيلفورد، حيث نشطت إحدى العصابات، "الجميع كان مذعوراً من التطرّق إلى عامل الإثنية"، خصوصاً أن أكثر الضحايا على الجانب الآخر كنّ طفلات بيض البشرة، مما ضاعف من ضرورة التعامل مع الجريمة بحذر، و"بالشوكة والسكين"، لتفادي "شيطنة" المغتصب المسكين.

والمفارقة المضحكة المبكية هي أن هذا الهلع المرضيّ في الغرب من الوصم بالعنصرية تغوّل حتى أصبح يضرّ بالأقليات نفسها.

ولا أجد مثالاً أبلغ من تباكي الإعلام البريطاني على كون النساء السوداوات، اللاتي لا يمثلن سوى 14% من سكان العاصمة لندن، هنّ أكثر النساء تعرّضاً للقتل فيها، فقد شكّلن 43% من الضحايا في 2022، و62% في 2023.

بيد أن الإعلام البريطاني ذاته أجبن من مجرّد الإشارة إلى أن الأغلبية العظمى من حالات القتل تحدث في عقر دار المرأة، وعلى يد أقرب الناس إليها، فأبرز المتهمين بقتل النساء السوداوات هم عشاقهنّ وأزواجهن وآباؤهن وإخوتهن وأبناؤهن، أي الرجال السود!

أكتب إليكم من القرن الـ21، ومن عالم عربيّ يعبّر فيه الناس، بمن في ذلك السياسيون والأدباء والمثقفون والفنانون والإعلاميون ورجال الدين، عن كراهيتهم للآخر الذي يشاركهم أوطانهم بالأريحيّة نفسها التي يعبّرون فيها عن كراهيتهم للمخلّل في الساندويتش.

ولكن لتتعظوا من مهزلة الصوابية السياسية التي لحقت بالغرب. 

يجب ألا يقودنا الجلد المطلوب لذواتنا، والتغيير الإلزامي لعقلياتنا، إلى إفراط معاكس نفقد معه حتى مصداقيتنا واتزاننا تجاه المهاجرين والوافدين واللاجئين. لنبقَ قادرين على التصريح بعدائنا لكلّ مجرم وسارق وانتهازي وبيدوفيلي وإرهابي من بينهم بالأريحية نفسها التي نصرّح بها بعدائنا للمخلّل في الساندويتش.