.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
يستعد التونسيون لمواجهة تغييرات في معاملاتهم المصرفية من شأنها أن تبعثر الكثير من العادات والممارسات التي درجوا عليها منذ عقود، وإن كانت مبنية على مسحة من انعدام الثقة في هذه المعاملات.
منذ سنوات أصبحت ثقة التونسي، لا سيما أصحاب المؤسسات، في الصكوك المصرفية مهتزّة نتيجة استمرار ظاهرة إصدار الشيكات من دون رصيد. ورغم أن الظاهرة لا تشمل سوى 1,4 في المئة من جملة الشيكات التي يتم تداولها، فهي تتسبّب بآلاف الأحكام السجنية والمآسي العائلية، ومنها لجوء الكثير من المدانين بهذه الجريمة إلى الخارج.
خلال السنة القضائية 2022-2023 وحدها أصدرت المحاكم 36620 حكماً غيابياً بالسجن بـحق 9945 شخصاً. وهناك حالياً بضع مئات من الأشخاص يقضون عقوبة بالسجن بعد إدانتهم في قضايا شيكات. وتتضمن الأحكام في هذه القضايا أحكاماً بالسجن والغرامة، من دون إمكانية ضمّ الأحكام، ممّا يجعل مدد الحبس المحكوم بها في عديد الحالات طويلة.
وفي محاولة لترميم الثقة في الشيكات المصرفية، سوف تنصّ التنقيحات القانونية التي ستدخل حيّز التنفيذ في مطلع شباط (فبراير) على تشديد الشروط التي تمنح بمقتضاها البنوك دفاتر الشيكات لحرفائها، وعلى إنشاء منصّة رقمية للتثبت من الوضعية المالية لصاحب الشيك. كذلك تنصّ على تحديد سقف بقيمة 9,6 آلاف دولار لكلّ شيك، بالإضافة إلى عدة شروط إجرائية أخرى معقّدة سوف تضيّق بلا شك هامش الاستعمال التقليدي للشيك.
ولكن الترتيبات الجديدة سوف تلغي كذلك عقوبة السجن بالنسبة إلى الشيكات من دون رصيد، التي تقل قيمتها عن 1,5 ألف دولار تقريباً، وإن كانت تبقي على العقوبة السجنية والمالية، ولو بصيغة مخفضة في ما عدا ذلك.
قد تبدو المعاملات الإلكترونية هي الحلّ بالنسبة لمن يريد اجتناب التعقيدات الإجرائية التي يتضمنها قانون الشيكات الجديد. وكلّ شيء قد يوحي بذلك. فقد بلغت نسبة التونسيين المرتبطين بشبكة الإنترنت نحو 80 في المئة من مجموع السكان، كما تطوّرت المعاملات الإلكترونية في تونس بشكل سريع، وتحديداً منذ أزمة كوفيد التي أجبرت الناس على البقاء في بيوتهم.
تقول أرقام 2024 إن هناك نحو 1200 محلّ تجاريّ للبيع عن بعد، وإن المعاملات التجارية الإلكترونية حقّقت زيادة بنسبة 14 في المئة خلال سنة واحدة؛ وبلغت سنة 2024 قرابة 15 مليون عملية بيع وشراء بقيمة 280 مليون دولار تقريباً.
لكن عامل انعدام الثقة في المعاملات المالية يطرح نفسه هنا أيضاً، إذ إن وسيلة الدفع المفضّلة من قبل الحرفاء، وبحدود 90 في المئة من المعاملات التجارية الإلكترونية، هي الدفع نقداً (بعد تلقّي البضاعة)، وذلك لعدم ثقتهم في سلسلة التزويد من بعد، نظراً إلى عدم شعورهم بوجود ضمانات كافية تحمي معاملاتهم الإلكترونية، ونظراً إلى ضبابية الوضعية القانونية للمزودين.
وتمتد أزمة الثقة في الواقع إلى الاقتطاعات التي تتولاها اختيارياً شركات الخدمات العامة كالكهرباء والغاز والماء والاتصالات من الحسابات الجارية لحرفائها لدى المصارف، إذ ما فتئت الأغلبية تفضّل دفع فواتيرها مباشرة لدى فروع هذه الشركات، رغم طوابير الانتظار وضياع الوقت.
ومن أجل زيادة المعاملات الإلكترونية، لا تزال هناك حاجة إلى تطوير الجوانب التقنية والقانونية للتجارة الإلكترونية، وكذلك إلى تجاوز العوائق النفسية التي تحدّ من ثقة التونسي في المعاملات المالية من بعد.
الظاهرة الثانية التي تسعى الترتيبات القانونية الجديدة للتصدي لها هي ظاهرة تحول الشيكات على مدى السنين من وسيلة للدفع الفوري إلى وسيلة للدفع المؤجّل، وعلى أقساط.
ورغم أن استعمال الشيكات كوسيلة ضمان للدفع ممنوع قانوناً، فقد أضحى تدريجاً الطريقة المفضّلة للكثير من التونسيين أثناء دفع ثمن المقتنيات والخدمات التي يحتاجونها، وذلك أمام محدودية دخلهم وصعوبة حصولهم على قروض مصرفية لأغراض استهلاكية، ولعدم ثقتهم في "الكمبيالات" كوسيلة بديلة للدفع المؤجّل.
وما يثير مخاوف الخبراء الاقتصاديين وأصحاب الشركات الصغرى والتجار، هو أن التدابير الجديدة سوف تغلق الباب أمام استعمال الشيك كوسيلة للدفع المؤجّل (أو شيك ضمان) من دون أن يكون هناك إقبال على استعمال "الكمبيالة" كطريقة دفع بديلة.