أما البديل لنظام المحاصصة في العراق فهو جاهز

كتاب النهار 02-01-2025 | 06:00
أما البديل لنظام المحاصصة في العراق فهو جاهز

هل سيكون التغيير مستحيلاً في العراق إذا ما شاءت الإرادة الدولية اجتثاث ما تبقى من المشروع التوسعي الإيراني في المنطقة استمراراً لما جرى في لبنان وسوريا؟

أما البديل لنظام المحاصصة في العراق فهو جاهز
العملية السياسية في دائرة مغلقة؟ (أ ف ب)
Smaller Bigger

منذ تأسيسه عام 1921 لم يكن العراق بلداً مستقراً، ولم تكن فيه حياة سياسية مستقرة قائمة على تعددية حزبية، بل كانت موضع صراع أخرجها من نطاقها السلمي لتكون سبباً في تمزق المجتمع وانهياره.

وعلى رغم أن العراقيين كانوا ولا يزالون يخوضون في بحر السياسة كما لو أنهم يملكون خبرة عميقة في العوم فيه، غير أنهم في حقيقة تجربتهم الواقعية لا يملكون ثقافة سياسية حية تؤهلهم لاستقراء ما يحدث لهم ومن حولهم واستخلاص الدروس منه. لذلك فإنهم ومنذ عام 1958، وهو العام الذي انتقل فيه العراق من النظام الملكي إلى النظام الجمهوري، غارقون في مستنقع امتزجت مياهه الراكدة بالدم الوطني المستباح بسبب تذابح الأحزاب على السلطة. فإذا انتهى الحزب الحاكم من تصفية الأحزاب المنافسة، فإنه يقوم بالانتحار الذاتي عن طريق تصفية كوادره القيادية مثلما حدث عام 1979 حين أعدم صدام حسين نصف أعضاء قيادة حزب البعث بحجة تخطيطهم لقلب نظام الحكم بالتنسيق مع رئيس النظام السوري حافظ الأسد.

قبل ذلك كان الشيوعيون والبعثيون قد تبادلا الأدوار في عمليات الحط من قيمة العمل السياسي من خلال التصفيات الجسدية التي كان الغرض منها إبادة الآخر وإنهاء وجوده معارضاً. قام الشيوعيون بمطاردة البعثيين والقوميين في السنوات التي تلت ثورة تموز (يوليو) 1958، أما حين استلم البعثيون السلطة عام 1963 فإن الانتقام من الشيوعيين كان واحداً من أهم إنجازاتهم.

في ظل منطق التذابح الذي اعتمدته الأحزاب قاعدةً لإرساء وجودها، فإن حياة سياسية صحيحة ومستقرة لا يمكن أن تقوم، كما أن عوامل الثقافة السياسية تظل ناقصة ولا يمكن تعويض نقصها. 



علبة جاهزة عنوانها مجلس الحكم 

عام 2003 غزت الولايات المتحدة العراق، وكان الهدف إسقاط النظام السياسي فيه. لم تستفت سلطة الاحتلال المدنيين العراقيين في شكل ونوع وطبيعة النظام السياسي الذي يرغبون في أن يحكمهم ويكون بديلاً عما سُمي بالنظام الاستبدادي الذي قاده صدام حسين. جلبت القوات الغازية معها علبة جاهزة أُطلق عليها اسم "مجلس الحكم"، وكان ذلك المجلس هو نواة النظام السياسي الذي تمت إقامته على أساس المحاصصة الطائفية التي هي في حقيقتها محاصصة بين الأحزاب التي دخلت إلى العراق بمعية القوات الغازية. وبغض النظر عن نسبة نزاهة انتخابات 2005 وما تلاها، فإن الخيارات في تلك الانتخابات قد اقتصرت على الأحزاب الموالية للاحتلال. ولأن الشعب العراقي لا يملك ثقافة سياسية تؤهله لرفض ما هو معروض عليه من احتمالات بأسلوب ديموقراطي، فقد تم تمرير نتائج تلك الانتخابات وانتخابات تلتها وإن انخفضت نسبة المشاركة الشعبية بشكل ملحوظ مع الوقت. 

كان الغرض من الانتخابات إضفاء شرعية على نظام، كانت سلطة الاحتلال قد قررت سلفاً أنه سيكون بديلاً للنظام الوطني الذي كان قائماً قبل الغزو. بهذا المعنى فإن تزوير الإرادة الشعبية كان فعلاً مبيتاً خدمته قلة خبرة العراقيين السياسية. لهذا فقد كان مجلس النواب الذي يُفترض بأعضائه أن يكونوا ممثللين للشعب في إصدار القوانين التي تيسر تصريف شؤونه ومراقبة عمل الحكومة بدلاً منه عبارة عن كتلة ضاغطة على الحكومة لتصريف عمليات الفساد التي تخدم مصالح الأحزاب التي ينتمي إليها أعضاؤه.