بالتوافق لا بنار الغرباء... معركة الدستور السوري الجديد؟

كتاب النهار 29-12-2024 | 09:41
بالتوافق لا بنار الغرباء... معركة الدستور السوري الجديد؟
من لا يرى المخاطر في شرق البلاد وغربها، يغشي عيونه بالتمنيات.

فمع سقوط الأسد، بدأ سجال الدستور ونموذج الدولة وشروط العيش المشترك.

فإما أن ندفع بحوار جدّي طوعي لصياغتها أو أنها بالنار يسعرها المتدخّلون؟


بالتوافق لا بنار الغرباء... معركة الدستور السوري الجديد؟
العصبية الوحيدة المقبولة سورياً هي عصبية المواطنة (أف ب)
Smaller Bigger

بعيداً من التفاؤل الساذج، إنها اللحظة الأخطر بل لحظة تعريفية فارقة لمستقبل سوريا لعقد أو لعقود. فمنذ تأسيس سوريا الحديثة في اتفاقيات سايكس بيكو، كان يُراد لها "سلاماً ما بعده سلام" بحسب ديفيد فرومكين. 

أما وقد سقط ذاك الظلم الوحشي، يصبح خراب العمران أهون الشرور! بل يكمن أشدّ الشرور وأخطرها في ذاك الركام الهائل من الخوف والغل بين المكونات، وفي خراب العقد الوطني، والعصبية الوطنية، عند مجمل القوم السوري، لتغدو روح الانتقام والخوف، جسوراً يعبر عليها الغرباء، يشعلونها وقوداً لصراع استراتيجي أبدي في الإقليم.

شملت خريطة الفظاعة الهمجية الأسدية، كل مكونات الشعب السوري. ورغم الفروقات، نجد أن الوطنية السورية كانت الضحية الأولى للاستبداد البعثي. فما بين جماعات غاضبة من العرب السنّة الذين سُحقوا حتى العظم، إلى القوى الديموقراطية المدنية الواسعة التي سحق النظام عظامها إثر تظاهراتها السلمية، وبين أكراد رزحوا طويلاً تحت ظلم تاريخي تستّر تارة بالدين وتارة بالتعصب القومي البعثي. ثم لدينا، وبالقدر ذاته من الإذلال والابتزاز والفظاعة، ذاك المكوّن السوري الآخر، بعضه سنّي، وبعضه علوي، وبعضه مختلف، جرّته غياهب حكم الأسد ليصير وقوداً ومطية لماكينته الوحشية. 

راهن الأسد طويلاً بأن شعباً بهذا التنوع والتناقض، وبهذا القدر من الثقافة والوعي والعناد، لا يمكن أن يُدار إلّا بوحشية من مثل وحشيته. 
مهمتنا كسوريين الآن، أن ندحض منطقه الدموي. فبعد أن اندثر الأسد دون رجعة، يصبح السؤال الجوهري، هل يتمكن السوريون، رغم جراحهم العميقة، ومخاوفهم الكبيرة، من العيش معاً؟ وهل يمكنهم توجيه صفعة لمقولة الأسد، إن هذ الشعب لا يُحكم إلّا بالاستبداد؟

ليست الإجابة بديهية!!

في مواجهة منطق الغلبة والانتقام الذي لن ينجح إلّا في إطلاق دورات متسلسلة من العنف والعنف المضاد، يجب أن يشهر السوريون التفاوض والتوافق بالحوار الوطني حول سؤال شروط العيش المشترك. إنه سؤال المبادئ الوطنية المسبقة على أي دستور وأية شرعية وأية سلطة. ذلك أن أخطر ما يمكن أن يحصل هو الاعتقاد أنه يمكن لأكثرية ما أن تحكم البلاد وأن توحّدها بحكم الغلبة والكثرة. إنها وصفة لتقسيم البلاد، أو على الأقل لدورات لا تنتهي من الحروب الداخلية. 

ثمة ألغام قاتلة وراء الاستعجال نحو المؤتمر الوطني والدستور. حقل الألغام الأول يكمن في منطق أن "من حرّر يُقرّر"، والعودة لسلسلة أبدية من الاستبداد والاستبداد المضاد والاستقواء بالخارج ضدّ السوريين وعلى بعضهم. 

حقل الألغام الثاني يكمن في محاولة ابتسار الدستور وتحويله لمجرد لحظة تكرّس الغلبة الراهنة. وكما فعل الجعفري والمالكي بعد سقوط صدام في العراق، وفي ظل الغلبة الأميركية، تمّ تكريس دستور ممسوخ لدولة مشيخية مبتسرة، ليصبح الدستور وصفة دائمة لحرب مستعرة توشك تدمير الوطن العراقي، وهي لن تنتهي إلّا بإسقاط ذاك الدستور المبتسر.

وإذ يجري الحديث عن مؤتمر وطني سوري تشكّله "هيئة تحرير الشام" وتديره، فثمة مخاوف كبيرة! إذ يفترض، قبل انعقاد المؤتمر، أن يسبقه إعلان دستوري يحدد صلاحيات السلطة الانتقالية لكي يجري الحوار بالراحة، وليتمّ الخوض في عملية تشاور واسعة بين كل المكونات والأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني، ليصار بعدها، للتوافق على المسودات التي ستُقدّم للمؤتمر. هكذا فعل كل الآباء المؤسسين لكل الدول التي تجنبت الحروب الأهلية.

ثم من يقرر تركيبة وحضور المؤتمر؟ ومن يقرر مخرجاته؟ ومن يصوغها؟ وأي تسعف أو ابتسار هو تفجير لمخاطر تقرع باب البلاد.

حقل الألغام الثالث، أنه في إطار الصيغ التي يتمّ تداولها الآن سيؤول التشاور في أحسن الأحوال إلى حوار  مع الزعماء الدينيين الذين يدّعون تمثيل مجتمعاتهم، ولن يفضي ذلك إلّا إلى حكم ديني يتقاسم سلطاته "مجلس ملي" على النموذج العثماني، يدير العلاقة بين المكونات، ويتوزع المكاسب والسلطات، ليصبح جميع السوريين مجرد رعايا لتلك المشيخيات والزعامات الملية، ويستبدون برعاياهم من أجل إخضاعهم لفتاواهم وتصوراتهم وسلطتهم.

وحقل الألغام الرابع والأخطر، هو في تكريس الدولة السورية كدولة دينية. إذ لن ينجم عن هذا الأمر إلّا تغول كل زعامة دينية على طوائفها وقومها. بل ستتغول سلطة الأكثرية على مكونها الأكثري بالذات، لتقمع كل رأي أو سلوك لا تعتبره، هي، منسجماً مع تفسيرها للدين الحنيف.

منذ تأسيسها، مثلت الدولة الأموية المدينية نموذجاً مرموقاً لما يسمّيه الدمشقيون "بالعلمانية "المؤمنة"، بمعنى فصل سلطة الدولة ومشروعيتها عن المؤسسة الدينية وفتاواها، بل قالوا ذلك قبل أن يكتشف ذلك مفكرو الغرب. ليقول الوليد بن عبد الملك، لحظة وصوله للسلطة "هذا طلاق بيني وبينك"، ولم يكن في ذلك وحيداً. فالأكثرية السورية التي نمت وترعرعت في المدن والحواضر، هي أكثرية عابرة للطوائف والإثنيات، أصلاً! 
وعلى هذا الأساس ازدهرت ثقافة المدنية السورية؛ ثقافة مدنية وسطية محافظة وعابرة لكل الطوائف والأعراق. إنها لا تُعّرف ذاتها بطائفيتها ولا بعرقها، ولا بالمشاريع الإمبراطورية العقائدية الإسلامية أو القومية. إنها لا تعرف نفسها إلّا بالوطنية السورية الجامعة. 

ثمة قوى اجتماعية كبيرة وأصيلة، نمت وترعرعت رغماً عن تسلّط حكم الأسد، لتضمّ أطياف ذاك القوم السوري كافة، الذي لا يتمثل لا بطائفيته ولا بعرقه، بل تكمن عصبيته وهويته، في صيانة حرية التعبير والحريات العامة وحماية حقوق الإنسان، والحقوق المدنية، وسيادة القانون، وحرية الاقتصاد والتنمية، وحصر الأمن الفردي والاقتصادي وضمان احتكار العنف في يد سلطة شرعية. إنها الوطنية السورية المتجددة.

ثم من قال إن المتدينين من السنّة يقبلون أن يتولّى مشايخ أية سلطة دينية محددة، تدبير أمورهم وتفسير الصحيح من دينهم ومستقبلهم؟

وحتى في الأوساط الدينية، لطالما ترعرعت في سوريا أنماط مختلفة للإيمان السنّي، العملي والبراغماتي والعقلاني، يتراوح بين السلفية الشامية وصولاً للصوفية العريقة وانتهاءً بمفكرين إسلاميين كبار من مرتبة محمد شحرور وغيرهم كثر. 

ونحن نشرف على هذا المنعطف السوري الهائل، لا يكون النقاش حول الدستور نقاشاً مذهبياً ولا فكرياً، بل هو، نقاش مجتمعي سياسي وطني من الطراز الأول، وتقف وراءه قوى اجتماعية كبيرة. 

فكيف السبيل لذاك التوافق الوطني الطوعي الجامع؟

ثمة مخاطر كبيرة تقف وراء الانزلاق لابتسار الحوار الوطني لسلق دستور عرفي للبلاد. إنها تهدّد بتأبيد الدولة الفاشلة في سوريا، وتكريس تخادم مختلف المكونات السورية مع الغرباء.

لدينا أولاً تلك الطبقة الراقية، المرنة والصلبة، من رجال الأعمال، والتي روضت، بل وأفشلت محاولات فرض التعصب والتزمّت في المجتمع السوري، سواء كان علمانياً أم دينياً، إخوانياً أم بعثياً. وتقف هذه الطبقة ضدّ كل تعصّب يهدّد السلم الأهلي ويفكّك توافقات العيش المشترك. 
ثم هناك ذاك الطيف الهائل من المثقفين ورجال العلم والمعرفة، وهناك أيضاً تلك الطبقة المتوسطة المدينية الواسعة والتي تشكّل روح المدنية السورية الراهنة.

ثم هناك البيروقراطية السورية التليدة، التي سبق أن روضت وأفشلت التطرف العلماني للبعث، لتجبر السلطة على تحالفات اجتماعية جديدة. إنها مثل الماء مرنة وجبارة وخلاسية. 

على عتبة هذا الموزاييك المتلاطم، تقف قوى إقليمية ودولية تريد امتطاء نار حرب أهلية مقبلة في سوريا. لكل أجندته الخاصة لإذكاء مقتلة جديدة للسوريين. والسلاح الوحيد في يد السوريين لمواجهتها، وهو الحوار الطوعي لتحقيق السلم الأهلي الطوعي التفاوضي، ترتاح له المكونات كافة، وتشارك فيه.

فالعصبية الوحيدة المقبولة سورياً ليست عصبية الأوهام الإمبراطورية القومية أو الدينية، بل عصبية المواطنة السورية، عصبية الدولة-الأمة السورية.

ستقع المسؤولية الرئيسية والتضحية الرئيسية أولاً على السلطة الراهنة، ثم على عاتق من يعتبرون أنفسهم الأكثرية (كيفما عرفناها). إنها هي التي يجب أن تضحي أكبر التضحيات لتوحيد البلاد وتحقيق المصلحة الوطنية السورية العليا.

ومن لا يرى المخاطر الجارية اليوم، في شرق البلاد وغربها، يغشي عيونه بالتمنيات. فمع سقوط الأسد، بدأ سجال الدستور ونموذج الدولة وشروط العيش المشترك. فإما أن ندفع بحوار جدّي طوعي لصياغتها، أو أنها بالنار يسعرها المتدخّلون؟ ونحن لسنا بالنسبة للمتدخّلين إلّا "فخاراً يكسّر بعضه". 

فهل يبقى الفخار يكسّر بعضه؟