.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
تبقى الولايات المتحدة الأكثر قدرة على نقل سوريا من الوضع الذي هي فيه إلى مكان أفضل، لكن السؤال... هل تفعل؟
من المنظور الاستراتيجي، حققت أميركا مكسباً كبيراً في صراعها ضد إيران وروسيا عقب سقوط نظام بشار الأسد، وتولي "هيئة تحرير الشام" الحكم في دمشق. أما مستقبل سوريا كبلد بحاجة إلى الاستقرار وإعادة البناء، فيأتي على ما يبدو في مرحلة أقلّ أهمية على رغم المواقف البلاغية للقادة الغربيين.
تشعر القوى الغربية بالقلق. قبل رفع العقوبات عن "هيئة تحرير الشام" وسوريا، فإنهم يبحثون عن التزامات بالتخلص من الأسلحة الكيميائية التي خلفها الأسد، وحماية النساء والأقليات ومحاربة المتطرفين مثل تنظيم "داعش" الذي يمكن أن يزدهر في ظل فراغ السلطة في سوريا. يريدون كذلك إعادة بضعة ملايين من اللاجئين السوريين الذين فروا من الحرب. لكن الدول الغربية لا تعمل ما يكفي حتى الآن للحؤول دون وقوع سوريا الجديدة تحت سيطرة قوى أخرى لها مصالح هناك مثلما كان لروسيا وإيران.
وفي سياق السياسة الواقعية، تهافتت وفود أميركية على دمشق لمقابلة قائد إدارة العمليات العسكرية أحمد الشرع، من قبيل إبداء حسن النية، من دون الانتقال إلى سياسة فعالة وواضحة بشأن ما يمكن أن يقدمه الغرب لسوريا، كي تحقق استقراراً مستداماً، ولا تعود الأمور إلى الوراء وإلى سنوات الحرب الأهلية. ولا يكفي التشفي بإيران وروسيا على خسارتهما الاستراتيجية، وإطلاق الوعود بالمساعدة من دون آلية فعلية لضمان خروج البلاد من عهد إلى عهد أفضل.
تتحمل الولايات المتحدة مسؤولية كبرى في كبح جماح الأجندتين التركية والإسرائيلية في سوريا. الثابت في السياسة الأميركية هي تقديم الحماية لـ"قوات سوريا الديموقراطية" (قسد) كشريك رئيسي في محاربة تنظيم "داعش".
وكان يفترض بالتغيير المزلزل الذي حصل أن تتغير نظرة أميركا إلى سوريا بدءاً من العمل على وضع مقاربة جديدة في التصدي لـ"داعش" ومنعه من استئناف هجماته. لم تكن واشنطن تثق بالنظام السابق، ولا بإيران ولا بروسيا، كقوى مناهضة للتنظيم الإرهابي.
إعادة النظر في السياسة الأميركية لا ينبغي أن تعني حكماً الانقلاب على أكراد سوريا والتخلّي عنهم، وفق ما تدعو إليه تركيا، وإنما يعني ضرورة العمل على نزع فتيل التفجير الممكن أن يحدث في شمال شرقي سوريا، فيدفع بسوريا مجدداً إلى دائرة الحرب والفوضى.
والمطلوب أيضاً أن تضغط واشنطن على إسرائيل كي توقف تدخلها السافر في الشأن السوري، وأن تلتزم الاتفاقات الدولية الموقّعة مع الدولة السورية، وبأن لا تلعب على وتر الأقليات، وأن تقدم نفسها حامية لها، وهي التي لا تحترم حقوق الأقليات في الداخل الإسرائيلي.
أما إذا انصبّ جلّ الاهتمام الأميركي على بذل الجهود التي تحول دون عودة النفوذين الإيراني والروسي إلى سوريا، وعدم الالتفات إلى تخفيف معاناة الشعب السوري ككل، والذي عانى من العقوبات الغربية أكثر بكثير مما عاناه النظام السابق، فإن واشنطن تجازف بتعريض سوريا مجدداً للوقوع في شرك الفوضى.
إن الشروط، التي يطرحها الغرب للتعامل على نحو أوسع مع دمشق، يجب أن تترافق مع سياسة تحدث توازناً بين مساعدة الشعب السوري والموقف من النظام الجديد. السوريون العاديون لم يعد بإمكانهم تحمّل اختبارات تستمر لسنوات أو حتى لأشهر. وإذا لم يبادر الغرب إلى التحرك سريعاً للتعامل مع التطورات الجديدة في سوريا، فلا يمكن التكهن بالوجهة التي قد تتخذها الأمور، كما أن حصر المسألة بالصراع مع روسيا وإيران، وترك تركيا وإسرائيل تستفردان برسم الخريطة الجديدة لسوريا، لهو أمر ينطوي على مخاطر التفجير أكثر من الذهاب نحو الاستقرار.
وتبقى الولايات المتحدة الأكثر قدرة على نقل سوريا من الوضع الذي هي فيه إلى مكان أفضل. لكن السؤال... هل تفعل؟