سيناريو الانسحاب الإيراني من العراق

كتاب النهار 26-12-2024 | 00:38
سيناريو الانسحاب الإيراني من العراق

الكرة في الملعب الإيراني، إما أن تختار إيران سلامتها من خلال الحفاظ على نظام أتباعها في العراق أو تضطر إلى مواجهة السقوط في هاوية التعقيدات....

سيناريو الانسحاب الإيراني من العراق
اللعبة التي انتهت (أ ف ب)
Smaller Bigger

حين أعلن أحد جنرالات الحرس الثوري الإيراني أن إيران صارت تملك موقع قدم على سواحل البحرين الأحمر والمتوسط، لم تُعبّر تلك الإشارة، بكل ما انطوت عليه من غرور، إلّا عن الشعور بالنشوة التي تمكنت من الإيرانيين وهم يرون أنهم قد وصلوا بمشروعهم التوسعي إلى حدوده القصوى في وقت قياسي.

وإذا ما كان مخطط تدمير العراق قد صبّ في مصلحتهم، حين شعرت الولايات المتحدة بالحاجة الماسّة لخدماتهم داخل العراق، فإن تمدّدهم في اليمن وسوريا كان واحداً من الهبات المجانية التي قدمتها حالة الاضطراب السياسي التي سُمّيت عبثاً "الربيع العربي". أما في لبنان فقد جاء اتساع نفوذ "حزب الله"، وهو ذراع إيرانية، نتيجة لفشل اللبنانيين في إدارة ما بعد الحرب الأهلية. 

وهكذا فقد تعاضدت ظروف إقليمية وعالمية لتمهّد الطريق أمام إيران لتحقق حلم الخميني، لو عاد صاحبه إلى الحياة لشعر أن المكافأة التي قُدّمت له بعد موته كانت أكبر مما فكّر فيه. لم يكن الخميني يوم أصرّ على الاستمرار في الحرب ضدّ العراق، على الرغم من صدور قرار لوقف إطلاق النار من مجلس الأمن بعد أسبوعين من نشوبها، ليفكر إلّا في الاستيلاء على كربلاء انطلاقاً من شعاره الذي يعتبر من خلاله كربلاء البوابة التي تقود إلى القدس، وهو شعار سياسي مضلّل، تعامل معه الإيرانيون كما لو أنه قاموسهم في العثور على أبجدية صراعهم في المنطقة وطريقة تلقينهم لأتباعهم. 



حين كسب الإيرانيون جولة 

وإذا ما تعلّق الأمر بالعراق، فإن الإيرانيين لم يهدروا الوقت في استرضاء الولايات المتحدة التي احتلته. فبغض النظر عمّا قيل عن علاقة إيران بالتنظيمات الإرهابية التي تدفقت من سوريا وقاتلت القوات الأميركية، وفي مقدمتها تنظيم "القاعدة"، فإنها وبالنقيض لفتوى المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني، لقّنت مقتدى الصدر من خلال مرجعه الإيراني كاظم الحائري، الذي يقيم في إيران، المفردات التي وضع من خلالها أفراد ميليشياته "جيش المهدي" على طريق المقاومة. والدليل على ذلك المنحى التآمري، أن ذلك الجيش عاد بعد حربه ضدّ الأميركيين في النجف إلى المشاركة وبطريقة قذرة في الحرب الأهلية لا لشيء إلّا من أجل القضاء على المقاومة التي باتت تشكّل خطراً على القوات الأميركية، بعدما كبّدتها خسائر بشرية جسيمة. وبذلك ضربت إيران عصفورين بحجر واحد. أزعجت الأميركيين وخدمتهم بالوسيلة ذاتها.

يومها وبسبب سياسات الرئيس الأميركي أوباما المتعاطفة مع إيران، كسب الإيرانيون جولتهم في العراق. ما لم يكن يتوقعه الأميركيون أن يكون رجل إيران الذي سبق لهم وأن احتفلوا به في كونغرسهم عام 2006 بما لم يحظ به ضيف آخر من التصفيق، هو الذي سيمكّن إيران من فرض أجندتها في العراق على الولايات المتحدة. لا يتعلق الأمر باختراع تنظيم "داعش" بل بتحويله إلى طرف في الصراع على العراق، بعدما سمح نوري المالكي له بالدخول إلى الأراضي العراقية بطريقة سلسة ومريحة، واحتلال الموصل وكل الغرب العراقي، بما يعني جغرافياً أن ثلثي العراق وقع في قبضة التنظيم الإرهابي. كانت تلك ضربة إيرانية محكمة لم تنسها الولايات المتحدة.