.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
الشعوب التي جربت حُكم الإسلاميين وعلى رأسهم الإيرانيون، تشاهد ما يحدث في سوريا بابتسامة ساخرة، فالشعارات المثالية التي يرفعها الساسة ما هي إلا طُعم لصيد الآذان والقلوب، فالذين عانوا من أصولية نظام مستبد ليسوا مُنزهين أيضاً من ذلك الاستبداد، فما الأمر إلا تبادل أدوار، والتجربة الإيرانية بعد ثورة 1979 خير مثال!
وإذ تواجه سوريا سيناريوهات عدة، فإنها تنحصر بين مشهدين: تظاهرة تقول "تكبير" وتطالب بالفصل بين الرجال والنساء، وأخرى ترفع شعار "امرأة حرّة = دولة حرّة"، وذلك تعبيراً عن القلق من ظهور حُكم ثيوقراطي في سوريا.
كلا المشهدين تكرر من قبل، ونحن نتصفح 45 عاماً من تاريخ الثورة الإيرانية بكل إيجابيّاتها وسلبياتها، لكن قانون التضاد واحد، فإن جرّب الشعب الأصولية العلمانية فمن السهل أن تعمل آلة الأصولية الدينية، وإن جرّب حكم اليسار فالوجه المقابل أمامه هو اليمين، بل حتى نظرية التمكين (Empowerment) التي تمارسها السلطة السياسية هي واحدة، حيث تمنح المواطن شعوراً بالمشاركة في السلطة، لكنها في الحقيقة تقوده وتُخضعه، فما قاله أحمد الشرع (الجولاني) بشأن مسألة حرية الحجاب في سوريا الجديدة، بأن "الأمر يتعلق بالدستور الذي سيتوافق عليه السوريون"، وأن مهمته "تطبيق هذا الدستور وصيانته"، يُذكرنا باللغة الماكرة التي استخدمها قادة الثورة الإيرانية في بداية عهدها، إذ قال أحد زعماء الحركة الوطنية، آية الله طالقاني في حوار مع صحيفة "اطلاعات": "لا إكراه في مسألة الحجاب" وذلك بعد تظاهرات غاضبة للنساء المعارضات للحجاب الإلزاميّ، ثم بعدها أيّد زعيم الثورة، الخميني، ما قاله طالقاني، لكن ماذا فعل بعد الاستفتاء والدستور والثورة الثقافية (تغيير وجه المجتمع)؟ لقد تم فرض الحجاب بقوة القانون!
الواضح، أن مبدأ السلطة السياسية واحد في صنع علاقة بين الصنم ومعتنقيه، فلا قيمة لهذا الإله الوثني طالما لا يجد مؤمنين يشبهونه!
وبالنسبة إلى السلطة السياسية الدينية فإن الحجاب يمثل علامةً تفصل بين مؤيديها ومعارضيها ورمزاً للنضال ضد القوى المعادية. هكذا يُخيل للسلطة وحتى للشعوب التي طوال الوقت كانت المعارضة الدينية تصب في آذانها عبارات من قبيل: "إن معاناتنا بسبب معاصينا"!
لكن الآن تمت الإطاحة بالسلطة السياسية المستبدة وذلك بقوة السلاح والثورة وليس بقوة ترك المعاصي، لذلك فإن السلطة الدينية في حاجة إلى إضفاء هذه الصورة المقدسة على الشعوب العاصية بتأكيدها على مبدأ الشكل أولاً، الذي يتمثل في الحجاب لدى المرأة، واللحية لدى الرجل، لكن فعلياً هل ستتوقف معاناة الشعوب ومآسيها؟
والإجابة لا تزال لدى تجربة إيران ولاية الفقيه، فإن نظامها الذي طارد النساء غير المحجبات بقوة الأمر بالمعروف، يتريث الآن في تطبيق قانون "العفة والحجاب" بعدما أوقف عمل دوريات شرطة الأخلاق ولجأ إلى تكنولوجيا الكاميرات البوليسية، وذلك خشيةً من غضب الشارع في ظل فشله وفساده، وفي ظل التحولات التي تجري في المنطقة، خاصة بعد سقوط النظام السوري، واقتراب عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي عمل على تعديل سلوك النظام الإيراني خلال ولايته الأولى. وكذلك مع تراجع قوة نظرية "ولاية الفقيه" في أذهان الإيرانيين بعدما وَارَى الوهابية في الثَّرَى. وكذلك أيضاً بعدما بات الإسلام السياسي الأميركي في تركيا يهدد استقرار إيران الإسلامية الشيعية الفارسية، وأزعج حكامها بإطلاقه قناة موجّهة ناطقة بالفارسية.
إذاً، الأنظمة السياسية أيضاً تخضع لقانون التضاد، وإلا كانت ستتآكل طالما لم يُصِبها التغيير والتحول، فطهران التي رفضت في الأمس العلاقة مع مصر باسم معارضة السلام مع إسرائيل، تتمنى اليوم إعادة فتح سفارتها في القاهرة!