حقيقة ما يسعى إليه نتنياهو في سوريا

كتاب النهار 20-12-2024 | 02:49
حقيقة ما يسعى إليه نتنياهو في سوريا
الأمر الواقع الجديد الذي تفرضه إسرائيل في سوريا يتعدى قطع طريق الإمداد بين إيران و"حزب الله" في لبنان، إلى ربح استراتيجي صافٍ يخلخل التوازنات القديمة....
حقيقة ما يسعى إليه نتنياهو في سوريا
أعمال بناء إسرائيلية في الجولان. (أ ف ب)
Smaller Bigger

يقول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إن إسرائيل ستبقى في قمة جبل الشيخ، التي احتلتها عقب سقوط نظام بشار الأسد في سوريا في وقت سابق من هذا الشهر، إلى حين التوصل "إلى ترتيب مختلف"، من دون الإفصاح عن ماهية هذا الترتيب. 

ومنذ اجتياح القوات الإسرائيلية للمنطقة العازلة في مرتفعات الجولان السورية المحتلة والتقدم إلى مسافة 25 كيلومتراً من دمشق، يوحي القادة الإسرائيليون في تصريحاتهم، بأن قرار قضم مزيد من الأراضي السورية وسط المتغيرات الكبرى التي تشهدها البلاد، هو فرصة استراتيجية بالنسبة لهم يتعين استغلالها، لتأكيد حضور إسرائيل في التوازنات المقبلة.    

إن احتلال مزيد من الأراضي وتدمير البنى التحتية للجيش السوري، والتلميح إلى ضرورة مد اليد إلى أقليات في سوريا قد تجد نفسها مهددة من قبل حكام دمشق الجدد، يؤكد أن إسرائيل عازمة على المضي في سياسة "تغيير وجه الشرق الأوسط" وفق ما يكرر نتنياهو منذ إطلاقه الحرب على غزة ومن ثم على لبنان قبل 15 شهراً.

وعندما يتحدث نتنياهو عن أن لا انسحاب من جبل الشيخ قبل التوصل إلى "ترتيب مختلف"، فإنه ليس خافياً أنه يطمح إلى الاتفاق على هذا الترتيب مع السلطات الجديدة التي ستنشأ في سوريا. أما ما هي حدود هذا الترتيب، فإن تلك مسألة ستكون خاضعة بلا شك لتوازنات القوى المختلة لمصلحة إسرائيل. وهذا ما يغذي الشكوك، بأن نتنياهو قد يفكر بعد تسلم الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب مهامه رسمياً في 20 كانون الثاني (يناير)، في التوصل إلى اتفاق يتجاوز اتفاق "فك الارتباط" لعام 1974، الذي أعلنت الحكومة الإسرائيلية أنه بات من الماضي.

وما يحبذه نتنياهو، سيلقى تأييداً فورياً من ترامب، الذي قد يشترط على حكام سوريا الجدد التوصل إلى اتفاق سلام مع إسرائيل، شرطاً لرفع العقوبات عن دمشق. 

الأمر الواقع الجديد الذي تفرضه إسرائيل في سوريا يتعدى قطع طريق الإمداد بين إيران و"حزب الله" في لبنان، إلى ربح استراتيجي صافٍ يخلخل التوازنات القديمة التي سادت لعقود، وفرض تصورات ورؤى للدول المحيطة بإسرائيل.

وكما خرج العراق بعد الغزو الأميركي المزلزل عام 2003 بلا جيش، كذلك تمعن إسرائيل في استغلال المرحلة الانتقالية في سوريا، لجعلها بلداً بلا جيش أو مقدرات عسكرية يعتد بها.  

ما الذي سيدفع إسرائيل إلى الانسحاب من الأراضي السورية التي احتلها بعد 8 كانون الأول (ديسمبر) الجاري، طالما أن الولايات المتحدة راضية عن ذلك؟ التحفظات أو الاعتراضات الخجولة من بعض الدول الأوروبية وروسيا والصين، لا تغير من واقع الحال. وغزة ولبنان دليلان على إخفاق المجتمع الدولي في ثني إسرائيل عن تنفيذ ما تراه "حقاً في الدفاع عن النفس" ولو على حساب عشرات ألوف الضحايا وتدمير مدن وقرى بأكملها.

ومنذ أن قرر نتنياهو أن سوريا باتت جبهة من جبهات الحرب التي بدأت في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، انفتح الشرق الأوسط بكامله على سيل جديد من الهزات الجيوسياسية التي تحتاج إلى وقت كي تتبلور حدودها وفي أي اتجاه يمكن أن تقذف بالمنطقة.

الشيء الوحيد الثابت أن ركائز عدة سقطت في المنطقة، من دون أن تتضح البدائل، بينما هناك رابحون وخاسرون ولاعبون جدد يسعون إلى الاستثمار في التحولات الجارية والبناء على نتائج أفرزتها الحرب الإسرائيلية على غزة ولبنان وما تلاه من سقوط لنظام الأسد وتصاعد التهديدات لإيران والتلويح بخيارات عسكرية وعقوبات قصوى في حال لم تفاوض على برنامجها النووي ونفوذها الإقليمي.    

ليست إسرائيل وتركيا وحدهما من يحاول توظيف الحدث السوري لمصلحته، بل هذه أميركا وأوروبا تطرقان أبواب الحكام الجدد في سوريا للمشاركة في الغنائم الاستراتيجية، على خلفية الخسارة الكبرى التي لحقت بروسيا وإيران.