نهاية "الهلال الشيعي"

كتاب النهار 17-12-2024 | 20:55
نهاية "الهلال الشيعي"
من سيسقط في المستقبل القريب؟ الأكيد أن الوضع العراقي لا يمكن أن يستمر على حاله، كذلك الوضع اليمني. 
نهاية "الهلال الشيعي"
تدفع سوريا غالياً ثمن متاجرة حافظ الأسد بالجولان (أ ف ب)
Smaller Bigger

ما حدث في سوريا، بفرار بشّار الأسد إلى موسكو، ليس حدثاً سورياً فحسب، بل إنّه أيضاً تغيير على الصعيد الإقليمي تصلح له عناوين عدة. بين هذه العناوين انهيار المشروع الإيراني الذي يمكن تسميته بـ"الهلال الشيعي". صار هذا المشروع حقيقة في ضوء تقديم إدارة جورج بوش الابن العراق على صحن من فضّة إلى "الجمهوريّة الإسلامية" في إيران قبل ما يزيد على 21 عاماً.

كان الملك عبدالله الثاني، ذو الذكاء السياسي الحاد والرؤية المستقبليّة، أوّل من تحدّث عن هذا الهلال في تشرين الأوّل (أكتوبر) 2004 وحذّر منه. كان ذلك في مقابلة أجرتها معه "واشنطن بوست". لم يكن قصد العاهل الأردني أي إساءة إلى الشيعة، خصوصاً أنّ الهاشميين من أهل البيت، بمقدار ما أنّه كان يقصد كشف نيّة النظام الإيراني ربط بغداد ودمشق وبيروت بطهران، كمركز للقرار الإقليمي.

أكثر من ذلك، كان هدف "الجمهوريّة الإسلاميّة" الوصول إلى البحر المتوسط وتأكيد النفوذ الإيراني في المنطقة كلّها وليس في الخليج وآسيا الوسطى فقط. في مرحلة لاحقة، توسّع "الهلال الشيعي" إلى اليمن مع استيلاء الحوثيين على صنعاء ابتداء من 21 أيلول (سبتمبر) من العام 2014. أرادت إيران أن يكون لها، عبر اليمن، موقع في شبه الجزيرة العربيّة ومنفذ على البحر الأحمر. نجحت في ذلك وإن مؤقتاً.

لعبت سوريا في ظلّ حكم بشّار الأسد وموقعها الجغرافي دوراً أساسياً في تنفيذ المشروع التوسّعي الإيراني، خصوصاً بعدما أثبتت الأحداث أن الرجل لم يكن أكثر من بيدق إيراني. وقع بشّار منذ اليوم الأول لخلافته والده منتصف العام 2000 ضحية حسن نصرالله الأمين العام لـ"حزب الله"، الذي قتل في أيلول (سبتمبر) الماضي. تحوّل حسن نصرالله طوال 24 عاماً من حكم بشّار الأسد إلى صاحب التأثير الأكبر عليه. لم يكتف رئيس النظام السوري بتغطية اغتيال رفيق الحريري وعمليات الاغتيال الأخرى التي استهدفت الشرفاء في لبنان، بل ذهب إلى أبعد من ذلك  عندما اعتمد على "حزب الله" في حربه على الشعب السوري ابتداء من آذار (مارس) 2011.

استطاعت إيران، عبر حسن نصرالله، استغلال غباء بشّار الأسد وصغارته إلى أبعد حدود، لكنّ استثمارها في مثل هذا النوع من الأشخاص ما لبث أن ارتد عليها على غرار استثمارها في "حزب الله". سقط المشروع الإيراني. لا يدلّ على ذلك أكثر من انهيار النظام السوري وقبله "حماس" و"حزب الله". من سيسقط في المستقبل القريب؟ الأكيد أن الوضع العراقي لا يمكن أن يستمر على حاله، كذلك الوضع اليمني. في مرحلة لاحقة سيرتدّ الفشل على إيران نفسها. لا مفرّ من حدوث تغيير كبير في هذا البلد ذي الحضارة العريقة والذي لا علاقة للنظام القائم فيه منذ العام 1979 بطبيعة المجتمع الإيراني.

في نهاية المطاف لا تمتلك إيران الاقتصاد الصلب الذي يسمح لها بتنفيذ مشروعها التوسعي. المؤسف أنّ هذا الانهيار الإيراني تأخر كثيراً بعدما استطاع النظام الأقلّوي في سوريا تدمير جزء كبير من البلد وإلحاق ضرر فادح في المجتمع السوري. الأخطر من ذلك كلّه أن المستفيد في المدى القصير من وجود النظام السوري، الذي لفظ أنفاسه، كانت إيران، في حين أن المستفيد في المدى البعيد هو إسرائيل. من يخرج إسرائيل يوماً من الجولان، المحتل منذ العام 1967؟

تدفع سوريا غالياً ثمن متاجرة حافظ الأسد بالجولان. لم يرد الأسد استعادة الجولان يوماً. كان احتلال الجولان ضمانة إسرائيلية لنظامه الذي ورثه بشّار الأسد. صار بشّار في مزبلة التاريخ بعد انكشاف جبنه ونذالته في الساعات الأخيرة من عهده المشؤوم...