توابع "سايكس- بيكو"... لماذا كل هذه الويلات؟!

كتاب النهار 18-12-2024 | 02:30
توابع "سايكس- بيكو"... لماذا كل هذه الويلات؟!
العائد الجيوستراتيجي للغرب في الإقليم والعالم نتيجة تدمير دول عربية وتحويل مجتمعاتها إلى ساحات حروب أضخم بما لا يُقاس حسابه ظاهرياً...
توابع "سايكس- بيكو"... لماذا كل هذه الويلات؟!
ما الذي جلب على أمتنا كل هذه الويلات؟ (أ ف ب)
Smaller Bigger

لم يكن وعد بلفور الطعنة الأولى التي نفذت في جسد الأمة، منذ مطلع القرن العشرين إلى اليوم؛ سبقتها طعنات ولحقتها أخرى، لكن يظل "الوعد المشؤوم" تصريحاً اعتدائياً على وجود الأمة وسيادتها، أحد أشد اللحظات تأثيراً في تاريخ العالم ومنظومة "الجيوبوليتيك" الإقليمية والدولية!

 في تشرين الأول (أكتوبر) 1917، اجتمعت الحكومة البريطانية لإقرار ما عرف بـ"وعد بلفور". خرج عضو البرلمان مارك سايكس، خبير شؤون الشرق الأوسط، من الاجتماع إلى حيث يجلس الصهيوني حاييم وايزمان، وقال: "دكتور وايزمان... المولود ذكر". كان ذلك قبيل انتهاء الحرب العالمية الأولى، حيث أعلن آرثر بلفور وزير خارجية بريطانيا، في تشرين الثاني (نوفمبر) 1917، تأييده إقامة وطن يهودي في فلسطين، بتصريح: "إن حكومة جلالة الملكة تنظر بعين العطف إلى إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر".

تكشف مقولة نابليون بونابرت: "كل دولة تمارس سياسة تناسب جغرافيتها" عن التأثير المتبادل بين الجغرافيا والسياسة، وفقاً لمنظومة "الجيوبوليتيك"، التي تُعنى بقراءة أدوار اللاعبين واستراتيجياتهم، واستشراف خططهم التوسعية فوق رقعة ما. ولو نظرنا، في ضوء ذلك، إلى الأحداث على الساحة العربية، التي تنوء حالياً بالأزمات المتراكمة، لأدركنا أن الدوافع الدينية شكّلت معبراً لإنشاء وطن قومي لليهود. لكن الدوافع السياسية كانت هي الأساس للحصول على تأييد اليهود في العالم وحلّ مشكلاتهم المزمنة مع الغرب طوال 2000 عام دفعة واحدة، على حساب الشعوب العربية.

"أعطى من لا يملك من لا يستحق". بُنيت إسرائيل على أكبر كذبة في التاريخ، فأصبحت حقيقة، بينما يزداد العرب تشرذماً وشتاتاً في الداخل والمنافي، مع انحدار المشروع التحرري الوطني، في حين تواصل بريطانيا وأميركا تقديم هدايا مسمومة لهذه الشعوب المستضعفة أو الغافلة. توافقات سان ريمو، وسيفر، ولوزان، وسايكس بيكو، وبلفور، تظل تفعل فعلها، وصولاً إلى "صفقة القرن" التي يقترحها القوم برعاية الرئيس الأميركي العائد أكثر قوة دونالد ترامب، مما يُنذر بتصفية قضية فلسطين وفصل جديد من تقسيم المقسم وإنهاك الشعوب العربية بالمحن والمستبدين.

ما الذي جلب على أمتنا كل هذه الويلات؟ وما العمل لاستعادة حقوقنا المغتصبة؟

المسؤولية عما جرى ذاتية وخارجية. كان إعلان "وعد بلفور" كافياً لأن يجعله سبباً لإثارة نقمة الأمة ومقاومتها، لكنها (الأمة) كانت جسداً بلا روح، طريحة الاختلافات المذهبية والعرقية، وما زالت ضحية لأحقادها الوبيلة. لم يشعر العرب بحجم خطورة ما حدث إلا بعد فوات الأوان، ولا يزال أكثرهم يؤجلون كل شيء في سبيل القضية؛ فلا فلسطين تحررت، ولا هم أفلحوا في بناء دول وطنية، تنهض على العدل والحرية. ويبدو أنهم سينتظرون طويلاً. انظر إلى ما حلّ بالمراكز الحضارية الأساسية في العالم العربي، بأرض الرافدين أو بلاد الشام، بينما تشتعل النيران في أطراف وادي النيل، وتنوء بأعباء ثقيلة.

في الوقت نفسه، كان للعامل الخارجي التأثير الأكبر. نسجت الحركة الصهيونية، قبل قرن، تحالفاً عضوياً مع بريطانيا قائدة العالم الرأسمالي الآخذ في الانتقال إلى الطور الإمبريالي. برز هذا التحالف بصورة وعد بلفور الذي انبثق من اتفاقية سايكس - بيكو التي تقسم المشرق العربي إلى دويلات ضعيفة، متناحرة مذهبياً وعرقياً.

وسط هذا المشهد الإقليمي أقيم الكيان الصهيوني على حساب فلسطين أرضاً وشعباً. ترانسفير يهودي إلى أرض فلسطين مقابل ترانسفير آخر لشعب فلسطين إلى خارجها. اكتملت المؤامرة مع مصائب الحرب العالمية الثانية والتهجير الكثيف ليهود أوروبا إلى فلسطين.

إذن لولا "سايكس ــ بيكو" ما كان "بلفور"، ولولا التجزئة السياسية للمشرق العربي، لما أخضعت بلاد الشام للانتداب البريطاني-الفرنسي، ولما استمر الاحتلال التركي، ولما نشأت كيانات عربية هزيلة، ولما أعلن قيام إسرائيل في فلسطين، ولما وصلنا لما وصلنا إليه الآن.

الكيان الصهيوني ليس عدواً عابراً على مستوى مماحكات الجغرافيا السياسية العربية الممزقة. وبما أن الشيء بالشيء يذكر، فإن العائد الجيوستراتيجي للغرب في الإقليم والعالم نتيجة تدمير دول عربية وتحويل مجتمعاتها إلى ساحات حروب أضخم بما لا يُقاس حسابه ظاهرياً. تهيمن العقلية الكولونيالية على السياسة الخارجية للولايات المتحدة. يعيش الشرق الأوسط اليوم إحدى أسوأ مراحله التاريخية. مفاعيل "سايكس-بيكو" تتواصل. تتعرض دوله لسياسات الاستباحة والتخريب الممنهج، عبر إضرام نيران الأحقاد الإثنية والخلافات الإقليمية.

أما الخطر الأعظم فيتمثل بفقدان الأمل أو تضعضع العزيمة، فلا مفر من الدفاع عن حق الشعوب العربية في الحرية والعدل والاستقلال والتقدم. لعل أولى الخطوات هي"عقد اجتماعي جديد" يعيد الرشد إلى الحكام والمحكومين، ويكفل تماسك الأوطان أمام أعداء الداخل والخارج.
 وذاك حديث آخر.