سجون تحت الأرض (أ ف ب)
كانت شاغلة الشاشات والإعلام، عندما سقط نظام الرئيس صدام حسين الحاكم جناح حزب البعث العربي الاشتراكي العراقي، أخبارُ القبور الجماعيَّة. في كل لحظة يُكتشف أخدود. وأخذت تُجمع رفات المقبورين في أكياس. من شهد الواقعة لم ينس الشاب الذي أخفته أمه في حفرة، على شكل غرفة صغيرة تحت الأرض لعشرين عاماً، ومشاهد مريعة، كانت تُبث مِن الفضائيات تباعاً. هذا ما صاحب إعلامياً الحدث العراقي.أما في الحدث السوري -الحاكم الجناح الذي اعتدنا نسميه باليساري- فكان الشاغل سجن "صيدنايا"، المنطقة التي سميت باسم القديسة الزاهدة "صيدنايا" (القرن الخامس ميلادي)، وفيها ضريحها، وهي منطقة بضواحي دمشق، رأيت على واجهته (2007) حين زرته لوحة تحكي قصة اكتشاف الضريح، فكلاب الصيد تقف قريباً منه ولا تصل إليه، وهذه القصة نفسها تحكي اكتشاف قبر الإمام عليّ بن أبي طالب بالنّجف، عندما كان هارون الرّشيد (تـ: 193ه) يتصيد في تلك الفلاة، فكلابه كانت تقف عند التلّة التي تضم القبر، وصيدنايا عاشت وماتت قبل الإسلام، مثلما هو مؤرخ لها. ما فعله النظام العراقي أنه فتح السجون للمعارضين، أو المشكوك بولائهم، ولتُهم أو جرائم غير سياسية، قُبيل سقوطه. لذا، لم يكن السجن حاضراً في المشهد، وقد قُدّر عدد الذي حررهم النظام بمئة وعشرين ألف سجين. أما النظام السوري فحلَّ نفسه، ولم يكن لديه وقت للتفكير بما سيتركه من وثائق حيّة ضده، فاكتُشفت قصص فظيعة من داخل السجن، والبحث جرى عمّن تحت الأرض، ممَن لا يعرف ليله مِن نهاره، ومن خرج مفجوعاً، من هول ما مرّ عليه، وصار "صيدنايا" شغل الإعلام الشاغل، وما ضمّ من رعب.بينما كان لدى رأس النظام السوري سنوات كافية (2011- 2024)، وقد التقط أنفاسه، أن يحرر السجناء، ويعلن إلغاء السجن؛ فقادة جناح البعث العراقي قاموا بإلغاء سجن "نقرة السَّلمان" الرهيب (1968)، وفتحوا مكانه "قصر النَهاية"، الأكثر رعباً، وهو قصر الرحاب سابقاً، قصر العائلة المالكة العراقيّة (استخدم في عهدهم الأول 1963 فأُعيد مكاناً للعذاب ضد السياسيين في عهدهم الثَّاني 1968)، ثم أغلقوه بعد مؤامرة مدير الأمن العام ناظم كزار (1973)، وقد علّقوا به كل ما جرى من رعب على العراقيين، في تلك الفترة، وكانت واحدة من مغريات إعلان الجبهة الوطنية مع الحزب الشيوعي العراقي، مباشرة بعد الحدث (1973- 1979). أقول لو ...