إعادة خلط الأوراق في موازين القوى: من يتموضع الآن إقليمياً ودولياً؟

كتاب النهار 15-12-2024 | 06:39
إعادة خلط الأوراق في موازين القوى: من يتموضع الآن إقليمياً ودولياً؟
تصدُّر تركيا وإسرائيل موقعاً قيادياً في موازين القوى الإقليمية يجب ألّا يعني أن الوزن العربي بلا ثقل، بل لدى الدول العربية الفاعلة في ميزان القوى الإقليمي أدوات تأثير مهمّة للتموضع بصورة مميّزة. 
إعادة خلط الأوراق في موازين القوى: من يتموضع الآن إقليمياً ودولياً؟
توطّد تركيا موقعها في موازين القوى الإقليمية (أ ف ب)
Smaller Bigger

من الضروري مراقبة كيفية إدارة تركيا للمقايضات في سوريا، وعلى سوريا، بعدما فازت أنقرة بالجائزة الكبرى بسقوط نظام بشار الأسد، وتولّي الفصائل المسلحة الموالية لها زمام الأمور في العاصمة دمشق، ومختلف المدن السورية.

تصدُّر تركيا وإسرائيل موقعاً قيادياً في موازين القوى الإقليمية يجب ألّا يعني أن الوزن العربي بلا ثقل، بل لدى الدول العربية الفاعلة في ميزان القوى الإقليمي أدوات تأثير مهمّة للتموضع بصورة مميّزة. موازين القوى الدولية أيضاً تضعضعت بعد انحسار النفوذ الروسي في الشرق الأوسط وأفريقيا نتيجة خسارة موسكو موقعها على البحر الأبيض المتوسط كما بسبب انهيار شريكها الإيراني على الصعيد الإقليمي، وإمكانية انفجاره من الداخل. الصين في تأهب لوصول الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب إلى البيت الأبيض يتأبط حرباً اقتصادية عليها. أوروبا ترتجف من تداعيات دعمها القاطع لأوكرانيا لا سيما أن زجّ الدبّ الروسي في الزاوية قد يدفعه إلى توريط أوروبا في حرب نووية تكتيكيّة.

سنة 2024 أثبتت أنها من أسوأ السنوات التي مرّت على نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية انتهاءً بانسحابها العاجل من سوريا لدى دخول العناصر المسلحة للإطاحة بنظام الأسد بدعم وتسهيلات تركية وإسرائيلية. هرولت إيران من سوريا هرباً من حرب بريّة حسبت حساباتها ووجدتها مكلفة. تركت خلفها كلّ استثماراتها العسكرية والسياسية والاقتصادية، ولم يبقَ وراءَها في سوريا سوى سوء استثمارها في المواطن السوري.

طهران أغضبت موسكو أكثر مما أغضبها انتصار العناصر السورية المسلّحة وما تعتبره خيانة رئيس تركيا، رجب طيب أردوغان لها؛ ذلك أن موسكو كلّفت طهران الحفاظ على بشار الأسد ونظامه، لكنها أصيبت بالصدمة العارمة إزاء ما قامت به إيران، أو ما لم تقم به، لحماية الأسد ونظامه في دمشق.

كان في ذهن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين توقيع اتفاقية استراتيجية مع إيران تشبه تلك القائمة بين الصين وإيران. مصير هذه الاتفاقية مجهول في هذا المنعطف، مع أن النظام في طهران يتمناها بقوة، لأنها تنطوي على أسلحة مهمة كان يفترض أن توفرها روسيا لها بموجب الاتفاقية. حتى لو عادت المياه إلى مجاريها بين موسكو وطهران، فليس لتلك الاتفاقية الوزن الذي رافقها أساساً بعدما حدث ما حدث في سوريا.

سيتبادل الطرفان اللوم وسيلومان معاً المؤسسة العسكرية السورية التي أصيبت بالإحباط مع بدء التطورات المدهشة التي انتهت في غضون 11 يوماً بإسقاط النظام في دمشق. قد يتصالحان لاحقاً، إنما الثقة بينهما على الصعيد العملي تزعزعت، وكذلك شراكتهما الاستراتيجيّة.

الصفعة التي وجهتها تركيا إلى روسيا وإيران غيّرت لون وجنتيهما، لا سيما أن الدول الثلاث كانت تعتبر نفسها شريكة في تقرير مصير سوريا في عملية "أستانا". فجأة، سحبت تركيا البساط من تحت أقدام روسيا وإيران، وجلست من دونهما في مقعد قيادة وصياغة مصير سوريا، وكذلك حدود وشكل الدور الروسي والإيراني في الشرق الأوسط.

فلاديمير بوتين لن ينسى لرجب طيب أردوغان ما يعتبره خيانة كبرى، لأن روسيا لعبت دوراً أساسياً في ضمان فوز أردوغان في الانتخابات الرئاسية، ولأنها أعطت تركيا الغاز بأسعار منخفضة، ولأنها ظنت أن العلاقة بين البلدين استراتيجية، لا سيما في ضوء توتر علاقة تركيا مع حلفائها في "الناتو".

لكن تركيا حسبت حساباتها الاستراتيجية والقومية وقررت أن تحسين علاقاتها مع دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) فرصة لا يمكن لها تفويتها، ووجدت قاسماً مشتركاً معها في أوكرانيا حيث لتركيا علاقات مالية واقتصادية وعسكرية عبر تصنيع الطائرات المسيّرة التي تحتاجها كييف.

ثلاث مرات أجّل أردوغان لقاءه مع بوتين فيما كان يخطط لإخراج روسيا وشريكتها إيران من سوريا سوياً مع نظام الأسد. هذا اللقاء سيبقى مؤجلاً لزمن طويل فيما تدخل عملية المقايضة التركية مع روسيا مراحل متقدمة، لا سيما في شأن مصير القاعدتين الروسيّتين في حميميم وطرطوس.

هاتان القاعدتان تشكلان حجر الزاوية في تواجد روسيا على البحر المتوسط، وفي وصولها إلى أفريقيا، عبر ليبيا بالتحديد. ما ضمنته أنقرة لموسكو هو عدم تعرّض العناصر المسلّحة لهذه القواعد عسكرياً، كما أن النظام الجديد في دمشق بعث رسائل إلى الروس بأنه لن يتعرّض الآن لهاتين القاعدتين، ربما لأنه لو فعل لأدخل نفسه في معركة بريّة طاحنة ضده لأن هاتين القاعدتين ما زالتا مجهّزتين.

عملية المقايضة الجديّة لم تبدأ بعد بين روسيا وتركيا، إنما الواضح أن لدى أنقرة أوراقاً أكثر من موسكو؛ أولاً، لأنها تملك الميدان، وثانياً، لأن تركيا ما زالت تشكّل شريان حياة لروسيا الواقعة تحت حصار العقوبات الغربية.

ما ستقدمه تركيا هو تأمين خروج وانسحاب سلميّ ومشرّف نسبياً لروسيا من القاعدتين، إنما ليس بلا تكلفة باهظة، قد يكون من المستحيل على موسكو دفعها؛ ذلك أن ما يتردد هو أن تركيا تلمّح لروسيا بأن بقاءها في القاعدتين ممكن مقابل 100 أو 150 مليون دولار سنوياً، الأمر المستحيل عملياً لموسكو في هذا المنعطف. وبالتالي، إن ما تعرضه أنقرة هو طرد الأمر الواقع لروسيا من حميميم وطرطوس بلا ضجة. وموسكو تزداد غضباً.

مستقبل القاعدتين الروسيتين يتوقف عملياً على قرار الولايات المتحدة وتركيا، وليس على النظام في دمشق. مصلحة واشنطن قد تقتضي إفراغ القاعدتين للتخلّص منهما، لكنها ترى فوائد تحويلهما إلى قاعدتين لحلف الناتو، إن لم يكن إلى قاعدتين أميركيتين. فالمهم تكبيل إبعاد روسيا عن البحر المتوسط.

أما تركيا، فما يهمها هو السيطرة على سوريا وتصفية الحلم الكرديّ، وهذا ما تقايض عليه مع الولايات المتحدة. ما تتعهد به أنقرة هو قدرتها على كبح جماح الفصائل المسلّحة ومنع انتشار الإرهاب أو الإسلام المتطرف المسلح في سوريا. هي تعهدات، إنما ليست ضمانات. هذا ما تقدمه تركيا وتقبل به الولايات المتحدة والدول الأوروبية، لأن الهدف الرئيسي هو حظر روسيا عن البحر المتوسط وترسيخ سيطرة حلف الناتو هناك. تركيا جاهزة لتلبية الناتو بالذات عبر سيطرتها هي ليس فقط على سوريا، وإنما أيضاً على ليبيا لنشر الإيديولوجية التركية، الإسلامية منها والبراغماتية.
إسرائيل، من جهتها، تموضعت جيداً في موازين القوى الإقليمية نتيجة الضربات المؤلمة التي وجهتها إلى إيران في الداخل الإيراني، ونتيجة لنسفها جديّاً جزءاً أساسياً من الاستراتيجية الإيرانية لتوسيع نفوذها الإقليمي عبر عقيدة الأذرع الموالية لمرشد الجمهورية وللحرس الثوري؛ و"حزب الله" في الصدارة. كذلك، استكملت إسرائيل في سوريا تقويضها لعقيدة الأذرع وامتداد النفوذ الإيراني على ضوء هرولة إيران هرباً من سوريا مع سقوط بشار الأسد، ثمّ عبر تدمير منهجيّ للبنية التحتية العسكرية السورية ولمشروع "الهلال الفارسي" الذي اعتمدته طهران ركيزة لعقيدة نظامها وتموضعها الإقليمي.

وكما قدمت تركيا أوراق اعتمادها إلى حلف الناتو بصفتها شريكاً استراتيجياً بقوة مميزة في الشرق الأوسط، كذلك قدمت إسرائيل إلى الولايات المتحدة أوراق اعتمادها كحليف استراتيجي متين وكلاعب رئيسي في تصميم شكل الشرق الأوسط الناشئ. إسرائيل تتغطرس بسبب إنجازاتها العسكرية على الأرض في لبنان وسوريا خصوصاً، إنما القيادات الإسرائيلية تعرف تماماً أنها لم تكن تستطيع تحقيق ما حققته من نجاح بدون المشاركة الأميركية المباشرة والمتمثلة بدعمٍ عسكري ضخم، وكذلك بقيام القيادة المركزية الأميركية في الشرق الأوسط بتمكين إسرائيل مما قامت به بنجاح.

إذن، أمام عزم تركيا على توطيد موقعها في موازين القوى الإقليمية والدولية، وأمام تموضع إسرائيل في الموازين ذاتها، وبعد انحسار موقع إيران في ميزان القوى الإقليمي، ماذا أمام الدول العربية؟ واضح أن الدول الخليجية، لا سيما السعودية، هي في صدارة قيادة الوزن العربي في هذه الحقبة من التاريخ. فما هي الخيارات؟ وما هي خريطة الطريق إلى التموضع العربي في موازين القوى الإقليمية والدولية؟

الرؤى موجودة، وكذلك القدرات. رؤية 2030 التي أطلقها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان تنطوي على طموحات قومية وإقليمية، تطويرية ورؤيوية وبراغماتية، وجزء منها يتصوّر شرق أوسط يشبه أوروبا، ومنطقة عربية آمنة تتصدّر أحلام المستقبل بالسلم والازدهار.

المطلوب هو التواصل مع القطاعات التي استبعدها الاستبداد عن المشاركة في صنع القرار في دول محورية مثل سوريا. فإذا كانت الدول العربية جديّة في عدم ترك الساحة السورية لنفوذ تركيا وإسرائيل، كما عرضة لمشروع التطرف السنّي منه والشيعي على السواء، فعلى قيادات هذه الدول التواصل مع العشائر العربية السورية كما مع النخب السورية التي استبعدها نظام الأسد. الهدف من التواصل ليس فقط تولّي أفرادٍ معيّنين الوزارات السيادية، وإنما من أجل أن تتواجد هذه النخب في وزارات البنى التحتية المدنية، من الاقتصاد إلى الصناعة إلى المواصلات. التنبّه إلى أهمية العشائر العربية يكمن أيضاً في أن تمكين هذه القوى يعرقل التطرّف الذي يحدق بمستقبل سوريا ويتربّص لها.

مشاريع الإعمار حتماً ستتصدى لمشاريع التدمير والدمار التي خنقت سوريا. الدول الخليجية العربية هي التي تملك مفاتيح إعادة الإعمار في سوريا، وليس تركيا ولا إسرائيل ولا إيران التي هجرت استثماراتها في سوريا بسرعة البرق. فليس لدى تركيا المال لتوطيد سيطرتها على سوريا المستقبل، ولا إسرائيل مقبولة لمشروع إعادة إعمار سوريا بمفهومه الأوسع. الدول الخليجية العربية وحدها تملك هذه المفاتيح، مفاتيح انتشال سوريا من العتمة، والاحتفاط بسوريا دولة عربية علمانية بالمفهوم الحقيقي بدلاً من أن تقع فريسة مشاريع إسرائيلية أو تركية، لا سيّما تلك التي تخدم مشروع الإخوان المسلمين ومشروع التوسّع الإسرائيلي من أجل توطيد النفوذ إقليمياً.

أما في ما يتعلق بالتموضع العربي في موازين القوى الإقليمية وخطة الطريق إليه، فللحديث بقية.