لماذا يجب أن يبقى صيدنايا؟

كتاب النهار 14-12-2024 | 05:46
لماذا يجب أن يبقى صيدنايا؟

...والآن وقد سقط نظام الأسد، وفُتحت أقبيته ومعتقلاته، فالتنكيل بالأبرياء ليس الدرس القيّم الوحيد الذي يمكن للسوريين تعلّمه من تجربة الحرب العالمية الثانية.

لماذا يجب أن يبقى صيدنايا؟
يجب أن يُحفظ صيدنايا، بظلماته، بقبحه، بأجوائه الباعثة على الرعب (أ ف ب)
Smaller Bigger

في 1954، فرّ إلى سوريا آلويس برونر، النقيب النازي المسؤول عن تجميع و"شحن" يهود النمسا وفرنسا واليونان وسلوفاكيا إلى معسكرات الاعتقال. ولقد استغل حافظ الأسد، الرئيس السوري السابق، الفرصة، فمنحه اللجوء، وراتباً سخياً، مقابل خبراته في طرق التعذيب والاستجواب، وفي بناء السجون.

والآن، وقد سقط نظام الأسد، وفُتحت أقبيته ومعتقلاته، فالتنكيل بالأبرياء ليس الدرس القيّم الوحيد الذي يمكن للسوريين تعلّمه من تجربة الحرب العالمية الثانية.

لطالما لفتني إصرار ضحايا الهولوكوست قبل سواهم على الإبقاء على كل آثار الجحيم الذي عايشوه، حتى أن كايزيميرز سمولين، المؤلف البولندي، كتب عن فترة اعتقاله في معسكر أوشفيتز الرهيب، "لم نكن نعلم إن كنا سننجو، ولكننا كنا نتحدث عن تحويل المعسكر إلى مزار تذكاري". وبالفعل، حينما تحرر سمولين عاد ليعمل مديراً لأوشفيتز، الذي تحوّل بدوره متحفاً، ليساهم على مدار 35 عاماً في تخليد فظائعه ومصائبه.

وبعدما اندلعت الإبادة الجماعية فقط، التي تنفّذها إسرائيل حالياً ضد قطاع غزة، لاحظت كم أن قرار أولئك الناجين من الحرب العالمية الثانية كان صحيحاً وحكيماً في وقته؛ فأكثر من يقف في وجه الصهيونية من اليهود هم ممن يستشهدون تحديداً بالتطهير العرقي لآبائهم وأجدادهم في معسكرات الاعتقال النازية، ويستنكرون أن يعود أبناء وأحفاد الضحايا، والذين يمكنهم ببساطة زيارة الأماكن التي عُذّب فيها بنو قومهم، للعب دور الجلاد.

أتخيّل كيف أن هذا الضمير اليهودي الحيّ ربما كان سيضمر وسيفنى لو أن الناجين من الهولوكوست قرروا هدم معسكرات الاعتقال، أو إغلاقها للأبد، أو حتى مسخها إلى مدن ملاهٍ عملاقة تعجّ بالفرح والضحك، وكأنما كلّ ذلك لم يكن. ولكنهم تحمّلوا لسعة الوجع الأولية، مثل من يطهر جرحه الغائر بالملح، في سبيل ألا ينسى ما حدث.

لهذا أتفرج على المشاهد المريعة الواردة الآن من سجن صيدنايا في سوريا، وكلّي أمل في ألا "يفرّط" فيه السوريون بعد أن يستتب الأمن، ويشرعون في إعادة إعمار بلدهم.

يجب أن يُحفظ صيدنايا، بظلماته، بقبحه، بأجوائه الباعثة على الرعب، ببرودته، بخرائبه، بروائحه، بالمكابس الهيدروليكية التي كانت تطحن لحوم وعظام السجناء المقتولين ليسهل التخلّص من جثثهم. ليُحفظ فرع فلسطين سيئ السمعة، الذي يُشبه كل شيء إلا فلسطين. ليُحفظ سجن عدرا، والفرع 285. ولتُحفظ حتى المواقع الغريبة لهذه المعتقلات والأقبية، بما فيها السجن الذي يُشك في تشييده تحت كلية الآداب في جامعة دمشق، والذي دعت أصواته بعض الطلبة إلى الاشتباه بوجود الجن في الطوابق السفلية من المبنى!

لا تحفظوا صيدنايا، وتصيّروه متحفاً، حتى يتذكر أيتام حزب البعث ما اقترفوه في حق الناس على مدار عشرات العقود، فالناجون من معسكرات الاعتقال لم يُبقوا عليها إلا لتذكير النازيين أنفسهم بجرائمهم. بل احفظوه لئلا ينسى بقية السوريين ما قاسوه، فلا ينجرّوا يوماً إلى تكرار الأخطاء نفسها.