انسحاب روسيا من سوريا كانسحاب أميركا من سايغون؟

كتاب النهار 10-12-2024 | 21:54
انسحاب روسيا من سوريا كانسحاب أميركا من سايغون؟
ناقش مسؤولون أميركيون وإماراتيون في الأشهر الماضية رفع العقوبات عن سوريا ومسؤوليها إن كان رئيسها بشار الأسد مستعداً للاختلاف مع حليفته إيران، ولإيقاف "ترانزيت" الأسلحة عبر مطار دمشق الدولي ثم الحدود السورية – اللبنانية.
انسحاب روسيا من سوريا كانسحاب أميركا من سايغون؟
Smaller Bigger

ناقش مسؤولون أميركيون وإماراتيون في الأشهر الماضية رفع العقوبات عن سوريا ومسؤوليها إن كان رئيسها بشار الأسد مستعداً للاختلاف مع حليفته إيران، ولإيقاف "ترانزيت" الأسلحة عبر مطار دمشق الدولي ثم الحدود السورية – اللبنانية. كانت الولايات المتحدة قد فرضت عقوبات على سوريا عام 2011 بعد ضربها وقمعها المحتجين فيها في ما سُمّي ربيع سوريا في حينه. تسبّب القمع الشديد المذكور بحرب أهلية سورية لم تنتهِ حتى الآن. كانت الإمارات العربية المتحدة الدافع الرئيسي لإقناع العرب بردّ الاعتبار لرئيسها بشار الأسد بعدما اعتُبر في معظم العقد الماضي منبوذاً من جرّاء سلوكه الحربي وحلفه مع إيران. عبّر عن ذلك بدر السيف العالم والخبير في شؤون الشرق الأوسط بقوله: "لدى دول الخليج فرصة واضحة لمحاولة جذب سوريا الى العائلة العربية. فهي دولة عربية، ونحن نحتاج لأن يكون هناك صوت سوري على الطاولة بمساعدة دول عربية أخرى. هذه هي الطريق للحد من التدهور والتردّي وللتوصل الى مواقف موحّدة وربما قرارات". لاحظ السيف أن روسيا وإيران وتركيا قادت الجهود الأخيرة لحل الصراع السوري. لكنها ليست عربية وما حصل بعد ذلك معروف، إذ سيطر الثوار تدريجاً على معاقل رئيسية في الشمال والوسط والجنوب الأمر الذي دفع الرئيس بشار الأسد الى الفرار من دمشق الى موسكو، ونجاح الجولاني (أحمد الشرع) وهيئة تحرير الشام التي يتزعم في السيطرة على العاصمة بعدما شُلّت القوى الأمنية والعسكرية الرسمية ومؤسسات الدولة كلها.

يعتقد محلّلون عرب وغربيون أن الحركة الروسية في حينه رمت إلى الضغط على الرئيس الأسد للتفاهم مع "الثوار" واتخاذ قرار بتنفيذ إصلاحات ضرورية كي ترفع أميركا عقوباتها عنه وعن بلاده. كانت الحرب الروسية – الأوكرانية أحد أسباب هذا الموقف. فبذلت روسيا جهداً لجمع الرئيسين بشار الأسد ورجب طيب أردوغان على أرض تركية للبحث في مشكلاتهما الصعبة والمعقّدة. وافق الثاني لكن الأول رفض ربما لعجزه عن مواجهة إيران هذا اللقاء وربما أيضاً لاقتناعه بأن اتصالاته مع العراق الحليف لإيران والإمارات العربية المتحدة ذات العلاقات المميّزة مع واشنطن والجيّدة مع إسرائيل لن تكون جدّية. طبعاً ذلك كله صار تاريخاً. لكن يبقى مفيداً نشر تحليل جدّي قام به باحث آسيوي غير عربي عن الوضع السوري وتطوراته الأخيرة. وقد تضمّن الآتي:

-      الانهيار السوري الداخلي هو نقلة زلزالية في الشرق الأوسط. أظهر تقدّم الثوار الأساسيين في حمص وحماه وحلب هشاشة الجيش السوري الذي انهار بسرعة وعلى نحو غير متوقّع. الاحتمالات المتوقّعة يمكن أن تبدأ من إضعاف شديد للأسد وقد تصل الى انقلاب عليه وقد حصل ذلك. ولذا سيكون على فصائل الثوار الإبحار وسط الانقسامات الاثنية والمذهبية العميقة. من شأن ذلك جعل مستقبل حكم سوريا غير أكيد. أما الغياب غير المتوقّع للعنف ضد الأقليات في أثناء زحف الثوار بعد انتصارهم فيعتبره كثيرون "علامة أمل".

-      الخسارة الإستراتيجية لإيران. تواجه استراتيجيتها الدفاعية تمزّقاً. فخسارة سوريا كدولة حليفة وكجسر بري وخطير مع "حزب الله" في لبنان ستُضعف عمودين دفاعيين لإيران، وسيجعلها ذلك مُعتمدة فقط على صواريخها الباليستية وبرنامجها النووي. فـ"حزب الله" الذي أُضعف أخيراً سياسياً وعسكرياً يواجه مشكلات صعبة أو سيواجه مشكلات صعبة من جرّاء إقفال طريق ترانزيت نقل الأسلحة إليه. وقد تحتاج إيران الى إعادة تأكيد وتثبيت علاقاتها مع اللاعبين من غير الدول مثل "حزب الله".

-      موقع روسيا في سوريا. عدم قدرة روسيا أو عجزها عن وقف انهيار الأسد يسجّل اعتمادها على قوى محلية ما ملكت الحماسة أو ربما فقدتها للحرب وللتصميم على خوضها. وقد شبّه الكثيرون الانسحاب المُحتمل لروسيا من سوريا بخروج الولايات المتحدة من سايغون عام 1975، واعتبروه ضربة جيوسياسية. أما التورّط الأوكراني في مساعدة ثوار سوريا الذي فكّر فيه البعض فقد اعتبره كثيرون ذا مغزى استراتيجي محدود.

-      تعتبر تركيا نفسها صانعة ملوك وهي تستطيع الإفادة إذا شكّلت في دمشق حكومة ميّالة الى الإسلاميين. لكن ذلك قد يتسبّب بصراع مع الأكراد والجهود اللامركزية لـ"هيئة تحرير الشام". أما تركيز واشنطن على مواجهة الإرهاب فقد يتنامى مع سقوط الأسد أو بعده. سيكون هناك شيء من عدم اليقين في سياسة أميركا في ظل إدارة ترامب الجديدة وخصوصاً نظراً إلى مواقفها المختلطة من سوريا. سقوط الأسد قد يؤثّر في الاستراتيجيات الجهادية الشاملة، ويشجع أطرافاً على تبنّي مقاربات حكم أكثر عمليةً أو على حكم ذي مقاربة موجّهة.