الدولار سيّد العملات في عالم متغيّر

الدولار سيّد العملات في عالم متغيّر
الدولار قوي ويبقى مهيمناً
Smaller Bigger
يدخل الدولار الأميركي – الركيزة الأساسية للنظام المالي العالمي منذ عقود – عام 2025 وسط تغيّرات جذرية على الساحتين الاقتصادية والسياسية. قد يكون العام المقبل محورياً في تحديد مصير هيمنة الورقة الخضراء على الأسواق العالمية، إذ تتزايد التحديات الخارجية والداخلية التي تهدّد مكانتها بوصفها العملة الاحتياطية الأولى في العالم. من جهة، تستمرّ الجهود العالمية لتقليص الاعتماد عليه من خلال ما يُعرف بـ"إزالة الدولرة"، ومن جهة أخرى، يواجه اضطرابات ناتجة عن سياسات الولايات المتحدة الاقتصادية. لكن من المرجح أن يبقى عملة العالم لعقود عديدة مقبلة.

على صعيد العالم، تبذل العملات الأخرى محاولات حثيثة لتقويض هيمنة الدولار. مثلاً، تتزايد حصة اليوان في التجارة العالمية في شكل طفيف لتصل إلى حوالي خمسة في المئة في 2025، لكن العملة الصينية لا تزال بعيدة جداً عن منافسة الدولار، الذي يسيطر على نحو 88 في المئة من التعاملات العالمية. وتعزّز الصين أيضاً استخدامها لأنظمة دفع بديلة، مثل "مشروع إم بريدج"، الذي يتيح تسوية المدفوعات عبر الحدود من دون الحاجة إلى الدولار. لكن هذا المشروع لا يزال في مراحله الأولى وبعيداً عن تقديم بديل فعلي للنظام المالي المرتبط بالعملة الأميركية.

ثمة بيانات تشير إلى أن نحو 60 في المئة من احتياطيات المصارف المركزية العالمية ستكون بالدولار في 2025، في انخفاض طفيف مقارنة بالأعوام السابقة. يعكس هذا التراجع تنامي الاتجاه نحو تنويع الاحتياطيات، ولا سيما في الاقتصادات الناشئة التي تزيد من اعتمادها على الذهب والعملات البديلة. لقد زادت المصارف المركزية العالمية من احتياطياتها الذهبية لتصل إلى أعلى مستوياتها في تاريخها، إذ اشترت أكثر من 1100 طن هذا العام، ما يشير إلى تحوّل تدريجي بعيداً عن الاعتماد المفرط على الدولار.

في المقابل، يعلن الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب، الذي يعود إلى السلطة في كانون الثاني (يناير) 2025، أنه لن يسمح للدول بالانتقال إلى عملات بديلة من دون دفع ثمن باهظ. هو يهدّد بفرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المئة على الدول التي تسعى إلى تقويض الدولار. كذلك يَعِد باتخاذ تدابير اقتصادية صارمة، بما في ذلك فرض قيود على التجارة وتوجيه اتهامات بالتلاعب بالعملات بحق أي دولة تتبنى سياسات تضعف مكانة العملة الخضراء.

ويواجه الدولار تحديات فعلية في أسواق السلع والطاقة. تسعّر روسيا، التي تُعَد ثاني أكبر بلد مصدّر للنفط في العالم، معظم صادراتها بالروبل أو بعملات البلدان الشارية أو عملات بلدان صديقة مثل اليوان. أما الهند، التي تُعتبَر من أكبر البلدان المستوردة للخام، فتسوّي أيضاً جزءاً من معاملاتها النفطية بالروبية. وعلى رغم أن حوالي 70 في المئة من التجارة النفطية العالمية لا تزال تُسعَّر بالدولار، يشير هذا الاتجاه نحو التنويع إلى مستقبل أكثر تعدّدية في أسواق الطاقة.

في الولايات المتحدة، تشير التقديرات إلى أن حجم اقتصادها سيصل عام 2025 إلى نحو 27 تريليون دولار، ما سيعزّز مكانته كأكبر اقتصاد في العالم. لكن الدين الوطني الأميركي يبلغ مستويات قياسية تقارب 37 تريليون دولار، ما يثير قلق المستثمرين في شأن استدامة هذه الهيمنة. كذلك تترك الأزمات السياسية المتكررة بين الجمهوريين والديمقراطيين في ما يخص رفع سقف الدين، والتي كادت أن تؤدّي لمرّات إلى تخلّف الولايات المتحدة عن تسديد التزاماتها، بصمة على الثقة العالمية بالدولار. ومع ذلك، يستمرّ الدولار في جذب المستثمرين، إذ يرتفع الطلب على سندات الخزانة الأميركية بوصفها الملاذ الآمن الأول عالمياً، ما يُبرِز قوة العملة الخضراء حتى في أوقات الأزمات.

كذلك، تظلّ البنية التحتية المالية العالمية، مثل السوق العملاقة للسندات الأميركية وأنظمة المدفوعات العابرة للحدود، تمنح الدولار ميزة غير قابلة للزعزعة في الأمد المنظور. إن النظام المالي العالمي مصمّم للتعامل بالدولار، وأي تحوّل جذري سيحتاج إلى إعادة تشكيل هذه البنية التحتية بالكامل، وهذا أمر يبدو بعيد المنال في المستقبل القريب إلى المتوسط.

وتظهر الأرقام المتوقعة لعام 2025 بوضوح أن الدولار لا يزال سيد العملات. تمثّل سوق السندات الأميركية، التي يُقدر حجمها بـ 30 تريليون دولار، العمود الفقري للنظام المالي العالمي. إن نحو 70 في المئة من ديون العالم الصادرة بغير العملات الوطنية مسعّرة بالدولار، ما يجعل أي تغيير مفاجئ أمراً مستبعداً. حتى العملات الرقمية أو الذهب، التي تُعتبَر بدائل محتملة للعملة الخضراء، لا تزال تفتقر إلى السيولة والانتشار اللازمين للتنافس معها – بل إنها مسعّرة بها.

في المحصلة، سيبقى الدولار القوة المهيمنة على النظام المالي العالمي في 2025 ولعشرات الأعوام، على رغم التحديات المتزايدة. فالهيمنة الأميركية ليست مجرد مسألة اقتصادية، بل هيكلية وسياسية أيضاً. ومع أن الجهود الدولية لتقليص الاعتماد على الدولار ستستمرّ، سيظلّ النظام العالمي مرتبطاً بالدولار لعقود مقبلة.

الأكثر قراءة

العالم العربي 4/2/2026 12:41:00 AM
عشرات طائرات "A-10 Thunderbolt II" في طريقها إلى الشرق الأوسط… "Warthog" تعود إلى الواجهة
ايران 4/2/2026 3:29:00 PM
يُوصف الجسر بأنه "أطول جسر في الشرق الأوسط" وأحد أكثر الجسور تعقيداً من الناحية الهندسية في المنطقة.
اسرائيليات 4/2/2026 6:02:00 PM
ظاهرة لافتة في تل أبيب تمثّلت في تحليق كثيف لأسراب الغربان، بالتزامن مع استمرار الحرب والهجمات الصاروخية