.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
قد تكون تونس صغيرة جغرافياً بالمقارنة مع مساحة جيرانها، لكنها تزخر بالتراث الثقافي غير المادي المتنوع والجدير بالتثمين والاستغلال لجذب السياحة وإطلاق المشاريع الثقافية والترفيهية ذات الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية.
اكتشفتُ الأسبوع الماضي أن لطبق الكسكسي "أكاديمية" ترعاه و"يوماً عالمياً" يحتفل به في تونس بل هناك "أولمبياد" يتبارى فيه الطهاة على طبخ هذه الأكلة العريقة.
للكسكسي طقوس وتقاليد تتجاوز حدود المطبخ، وقد اعتبرتها منظمة اليونسكو جزءاً من التراث الثقافي غير المادي للإنسانية في آذار (مارس) 2019 .ليس للتراث الثقافي غير المادي الحضور الملموس الذي تكتسيه المعالم الأثرية، لكنه في المقابل، يرافق حياة الشعوب كل يوم. تقول اتفاقية اليونسكو لسنة 2003 إن التراث غير المادي يشمل مختلف "التقاليد وأشكال التعبير الشفهية والممارسات الاجتماعية والطقوس والمعارف" التي تتناقلها الشعوب أباً عن جد. من ضمنها العروض الفنية والتراثية وصيغ التعبير اللغوي بأشكالها، ومن بينها الكسكسي ذو الجذور الأمازيغية والمتأصل في تاريخ شمال إفريقيا. قال الزعيم التونسي الراحل الحبيب بورقيبة يوماً إن حدود المنطقة المغاربية تبدأ وتنتهي حيث يأكل السكان الكسكسي. بالفعل فإن الكسكسي منتشر من ليبيا إلى موريتانيا بالإضافة إلى تونس والجزائر والمغرب... وإن كان رواج هذه الأكلة امتد منذ قرون إلى بقية بلدان العالم.
شكل تسجيل الكسكسي على قائمة اليونسكو مناسبة نادرة التقت فيها عزائم دول المغرب العربي كافة على شيء ما، بعدما كان أشعل خلافاً بين البعض من دولها حول من له أحقية تبني الكسكسي إلى حين اقتنع الجميع بتقديم ملف مشترك.
وصفت المديرة العامة لليونسكو التسجيل المشترك للكسكسي بأنه "نجاح ديبلوماسي حقيقي" باعتبار أنه جمع شمل دول المنطقة وأظهر الدور الذي يمكن أن يلعبه التراث غير المادي في إبراز الوشائج الثقافية بين الشعوب. لكن بلدان المنطقة المغاربية لم تتخلّ منذئذ عن تنافسها على ملكية التراث اللامادي. بعضها يصر على أن بعض مكونات هذا التراث حكر على دولتها فقط حتى إن كان في الواقع إرثاً مشتركاً. وما زالت عناصر من هذا التراث مثل الزليج الأندلسي والقفطان وغيرهما تعكر صفو العلاقات في المنطقة، خاصة بين الجزائر والمغرب، عوض أن تجمعها.
البعض في المنطقة يحاول السير بعكس هذا الاتجاه. هناك مثلاً الجامعي التونسي عبد الحميد الأرقش الذي يسعى على رأس لجنة دولية لتسجيل مقدمة العلامة التونسي المولد عبد الرحمن بن خلدون "كتراث إنساني مشترك" بشكل ينوه بمساهمات كل من اهتم بمؤسس علم الاجتماع بمن فيهم المستشرقون في بلاد الغرب.
ورغم اعتبار الكثيرين للتراث الثقافي اللامادي وسيلة استراتيجية لتعزيز القوة الناعمة للدول، فإن درجة الاهتمام به لم تكن كافية في تونس، ما جعل البعض من الأصوات ترتفع داعية إلى إيلاء اهتمام أكبر بالموضوع.
جاء ظهور تونس ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي غير المادي متأخراً ولم يتم إلى حد الآن إدراج سوى ستة عناصر من هذا التراث رغم أن الخبراء أحصوا عشرات الملفات القابلة للتسجيل منذ اعتماد اتفاقية اليونسكو سنة 2003.
أول تسجيل لجانب من هذا التراث كان سنة 2018 وتعلق بأنشطة الخزف في قرية سجنان في الشمال التونسي. وآخر العناصر المدرجة ضمن التراث العالمي غير المادي كان الأسبوع الماضي بإعلان تسجيل "فنون العرض لدى طوايف غبنتن" وهي فرق شعبية للرقص والموسيقى في الجنوب التونسي.
تشمل العناصر الأخرى المدرجة على قائمات اليونسكو فن النقش على المعادن والتقاليد المرتبطة بمادة "الهريسة" (عجينة الفلفل الحار) وطريقة الصيد البحري المعروفة "بالشرافي"، وهي مصائد تقليدية للسمك مصنوعة من سعف النخيل يستعملها الصيادون على السواحل التونسية. كما سجلت تونس حضورها ضمن قائمات اليونسكو في ملفين عربيين مشتركين يتعلقان بالتراث المرتبط بالنخيل والخط العربي.
كل ذلك غيض من فيض. قد تكون تونس صغيرة جغرافياً بالمقارنة مع مساحة جيرانها، لكنها تزخر بالتراث الثقافي غير المادي المتنوع والجدير بالتثمين والاستغلال لجذب السياحة وإطلاق المشاريع الثقافية والترفيهية ذات الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية. والأهم من ذلك دور التراث غير المادي في تعميق مشاعر الانتماء والوعي بالهوية المشتركة بين أبناء الشعب الواحد رغم مختلف دواعي الانقسام والإحباط في المجتمع.
وقد يكون من أسباب تأخر اهتمام تونس بتراثها غير المادي ضعف موازنات وزارة الثقافة فيها على مدى السنين وعدم إدراج الديبلوماسية الثقافية ضمن أولويات مؤسسات الدولة. ومن العوامل الأخرى غياب الوعي الكافي بأهمية التراث غير المادي لدى أصحاب القرار بالمقارنة بالتراث المادي المتمثل في المواقع الأثرية والتاريخية والتي بدأ إدراجها في التراث العالمي منذ سنة 1979.
يشترك الكثير من المثقفين أيضاً في الميل إلى الترفع عن دراسة التعبيرات الشعبية غير المادية للثقافة وخاصة الشفهية منها، رغم أن موقفهم ذلك يساهم في اندثار التراث اللامادي أمام انصراف المجتمعات المحلية عن عاداتها وتفاقم تأثيرات العولمة والهيمنة الثقافية لقوى دولية دون غيرها.
من العوامل الأخرى بقاء التراث الشعبي اللامادي معزولاً عن البرامج التربوية وعن المواضيع التي تدرس في المدارس والجامعات في حين تمثل "الثقافة الشعبية" في الغرب مجالاً واسعاً للبحث له متاحفه ومهرجاناته ومجلاته المتخصصة.
تحتاج تونس بشكل عاجل إلى جرد وتوثيق أشكال التراث غير المادي خاصة منها تلك المهددة بالاندثار والتي تحتاج إلى صيانة.
وحتى زمن الأزمات التي تواجهها البلاد والانشغال العميق للجميع بالحروب والهزات التي تمزق المنطقة، ليس هناك مبرر للانتقاص من قيمة النماذج الثقافية الجميلة للتراث غير المادي التي جعلتنا من نحن وتركها تضمحل وكأنها لا تعني شيئاً لأحد.