.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
يواجه السوريون تحدياً بعد انتهاء مرحلة بشار الأسد، قد يكون أصعب بكثير من مرحلة العمل على إسقاط حكمه. وتدل تجربتا العراق وليبيا إلى أنه بعد التخلص من صدام حسين ومعمر القذافي، لم تسر الأمور بسلاسة، ونشب نزاع مسلح بين القوى المنتصرة نفسها.
بعد غزوها العراق عام 2003، سارعت الولايات المتحدة إلى حل الجيش العراقي، لتتعزز بعد ذلك أدوار الميليشيات مصحوبة بأفكار تدعو إلى تقسيم البلد على أساس طائفي وعرقي. وتسلل تنظيم "القاعدة" ليشن حملة من الهجمات الإرهابية ضد المدنيين. ولا تزال الحكومة العراقية تكافح حتى الآن لبناء جيش قوي قادر على الإمساك بأمن البلاد والتصدي لمخاطر عودة تنظيم "داعش".
ليبيا، تركها ما سمي "الربيع العربي" نهباً للميليشيات المتصارعة على النفوذ، ما جعل البلاد تعاني تقسيماً واقعياً وتديرها حكومتان تتنافسان على بسط النفوذ، من دون رؤية واضحة للمستقبل. ومنذ 2011 وليبيا تعيش جولات من العنف، ولم تصل الجهود الإقليمية والدولية وعشرات المؤتمرات برعاية أممية، إلى الاتفاق على خريطة طريق للخروج من الفوضى التي ابتليت بها.
ومع زحف الفصائل المسلحة على دمشق، تخشى الدول الإقليمية انجراف سوريا إلى مستنقع الفوضى، إذا ما نشب الصراع بين القوى التي أسقطت الأسد، حول من يكون له أحقية تولي إدارة البلاد في المرحلة المقبلة.
وعلى رغم أن تركيا تظهر الآن الطرف الإقليمي المنتصر، فإلى أي مدى هي قادرة على منع نشوب نزاعات بين الفصائل المسلحة، التي قد يتبادر إلى كل فصيل منها أنه الأحق بتولي السلطة؟
ثم إن ثمة سؤالاً يبرز الآن حول مدى التزام الفصائل المسلحة بالقرار 2254 الذي ينظم عملية الانتقال السياسي، أم أنه بعد الوصول إلى السلطة سيتم تجاهل المطالبة بتنفيذ القرار والحكم بموجب الأمر الواقع؟
إن الاختبار الحقيقي لمناداة قوى في المعارضة السورية بالحرية والإصلاحات السياسية وبانتخابات نزيهة وشفافة، يبدأ اليوم مع الوصول إلى دمشق وذهاب الأسد.
ولئن سوريا دولة متعددة الطوائف والأعراق، على غرار العراق، فإن التوصل إلى نظام سياسي يضمن حقوق الجميع، سيشكل مفتاح الاستقرار وإعادة السوريين إلى الحياة الطبيعية بعد 13 عاماً من الحرب الدامية والعقوبات الدولية التي زادت الوضع كارثية.
وهناك معضلة كبرى تتمثل الآن في كيفية تعامل المنتصرين مع إدارة الحكم الذاتي التي أنشأها الأكراد في شمال شرقي سوريا، وتعتبرها أنقرة تحدياً لها. وتتمتع هذه الإدارة بالحماية الأميركية، وهي تستفرد بالموارد النفطية للبلاد، ولن يصرف الحكم الجديد الناشئ النظر عن هذه المسألة. وبدأت الفصائل الموالية لتركيا هجوماً على منبج بعدما سيطرت على تل رفعت، في ما يوحي بعزم أنقرة توسيع حزامها الأمني بما يدفع الأكراد من مناطق الشمال إلى شرق الفرات فقط.
ولم تنتظر إسرائيل طويلاً حتى تعلن انتهاء اتفاق فك الارتباط على جبهة الجولان المحتل لعام 1974، وتتقدم إلى المنطقة العازلة لتحتل مزيداً من الأراضي السورية، بحجة حماية أمنها بسبب حالة الفراغ السياسي والأمني في سوريا.
سيبقى باب الأسئلة مشرّعاً على أي سوريا ستنشأ بعد الأسد؟ والخشية كل الخشية لدى دول الجوار هي ألا يتمكن السوريون من الاستفادة من فرصة الولوج إلى انتقال سياسي سلس، يجنب البلاد الغرق في مزيد من جولات العنف والاقتتال.
يؤخذ على الأسد أنه لم يحسن استغلال الفرصة التي وفرتها له الدول العربية بالانفتاح عليه في الأعوام الأخيرة، كي ينخرط في عملية سياسية توفر لسوريا الاستقرار طويل الأمد. القوى الموجودة في دمشق الآن أمامها فرصة أيضاً لإثبات أنها جدية في ما رفعته من شعارات على مدى 13 عاماً. وإذا لم تفعل فإن سوريا لن تلبث أن تجد نفسها على طريق العراق وليبيا.