.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
- في أوائل ثمانينيات القرن الماضي أقدم مسلحون ينتمون إلى "جماعة الإخوان المسلمين" على مهاجمة مدرسة حربية تابعة للجيش السوري وارتكبوا مجزرة في حق عشرات من الضبّاط المتخرّجين حين كانوا يتسلّمون شهادات تحوّلهم من تلامذة ضبّاط إلى ضبّاط جاهزين.
كانت تلك العملية بشعة إذ كشفت بطريقة تنفيذها الخلاف بل الانقسام داخل سوريا بين السنّة عموماً ولا سيما المتطرّفين منهم وبين نظام الرئيس الراحل حافظ الأسد وحزب البعث العربي الاشتراكي الذي كان يقوده ويحكم باسمه.
دافع "الجماعة" اعتبارهم نظامه طائفياً في العمق رغم رفعه رايات "البعث" وشعاراته القومية العربية وتحرير فلسطين. ردّ فعل النظام السوري في حينه كان قاسيا جداً، ولم يكن دافعه الانتقام فحسب بل القضاء على الخطر على نظامه، وعلى حزب البعث العربي الذي يقوده كما على "الأقلية العلوية" التي كان واحداً منها. شملت العمليات العسكرية للجيش السوري في حينه إلى حلب العاصمة دمشق ومناطق أخرى لـ"الإخوان" فيها وجود شعبي واسع ونفوذ.
استقرّت سوريا بعد ذلك وتمكّن رئيسها حافظ الأسد من تنفيذ نهضة قوية إنمائية واقتصادية وخطة أمنية محكمة فرضت الأمن. ثم انتقل إلى ترتيب علاقته مع "الأشقاء العرب" ومع الدول الكبرى وإلى جعل بلاده ونظامها الذي يترأسه صاحبة دور أساسي ومهم عربياً وإقليمياً ودولياً.
في ظلّ حال الاستقرار الجديدة والأمن المستتب وإن في غياب الحريات السياسية والانفتاح على الأشقاء العرب والعالم الذي حلم به السوريون دائماً قبل وصوله إلى السلطة وفي الثلاثين سنة التي أمضاها فيها، في ظل ذلك كله قرّر الأسد وهو المعروف بذكائه الحاد في معظم المجالات الاستمرار في القضاء على الخطر "الإخواني" لنظامه ولكن بغير العنف والقوة، فدعا تجار دمشق وحلب إلى اجتماع معه لبحث الأوضاع الاقتصادية والشأن العام انطلاقاً من معرفته الدقيقة بتأثيرهم الواسع في أوساط الأكثرية الشعبية السورية التي تعتبر نفسها مهمّشة سياسياً. وعدهم باتخاذ حكومته قرارات وإجراءات اقتصادية ومالية تريحهم وهم كانوا عماد الاقتصاد السوري وينتمون في معظمهم إلى الغالبية المهمّشة. كان المقابل الذي شعروا بأن عليهم تقديمه الإسهام في تمتين الاستقرار داخل البلاد ولا سيما في أوساط الغالبية المشار إليها. طبعاً نفّذ هو وعوده كلها ونفّذ الموعودون ما توخّاه منهم فعادت "الألفة" والعمل والتشارك وعاشت سوريا مرحلة استقرار قوّى النظام ومنع أحداً في الداخل من استهدافه.
- في عام 2000 انتقل الرئيس حافظ الأسد إلى جوار ربّه فخلفه ابنه الثاني بشّار في رئاسة سوريا وحزب البعث. الدافع إلى ذلك كان انتقال الابن البكر للرئيس الأسد باسل إلى جوار ربّه في حادث سيارة. وكان يظن كثيرون من السوريين والعرب وربما في المجتمع الدولي أنه (أي باسل) سيكون قويّاً و"حكيماً" وعليماً بكل أوضاع سوريا ومشكلاتها في الداخل كما بكل علاقاتها مع الخارج. دفعهم ذلك إلى ترقّب تصرّف بشّار في أثناء "تدريبه" المكثّف جداً عسكرياً وسياسياً وحزبياً كما بعد تسلّمه السلطة خلفاً لوالده الراحل.
الانطباع الأول الذي كوّنه السوريون على تنوّع انتماءاتهم عن الرئيس الجديد كان إيجابياً. فهو وعد من جهة بإدخال سوريا عصر التكنولوجيا الجديدة والمتطوّرة (كمبيوتر وإنترنت و...) وأوحى بأنه سيفتح باب حرّية القول والعمل السياسي وغيره ولكن بنسبة مدروسة حرصاً على نجاحها، وعلى عدم الإفساح في مجال استغلال أعداء النظام الذين لم ينسوا السابق والآخرين التوّاقين فعلاً إلى الحرية والديموقراطية وغير المنضوين في تيارات دينية وسياسية – دينية. وفتحه فعلاً إذ بدأت تشهد العاصمة دمشق وربما أكثر من غيرها اجتماعات سياسية تضمّ شخصيات وممثلي تيارات سياسية وفكرية تؤمن بالحرية والديموقراطية، وإن على دفعات. كما أنه أجرى انتخابات بلدية أفسح فيها المجال لشخصيات كانت لعائلاتها انتماءات سياسية – طائفية ألحقت ضرراً بسوريا بعد "مجزرة" المدرسة الحربية المذكورة أعلاه.
فاجأت النتائج الأجهزة الأمنية التي ورثها من والده الراحل ورؤسائها والقيّمين عليها كما أوساط حزب البعث الذي يقوده، إذ فاز في المجلس البلدي لدمشق عشرة أعضاء ينتمون إلى "جماعة الإخوان المسلمين" فكرياً أو كانت عائلاتهم مؤمنة بها لكنها في الوقت نفسه أراحت هؤلاء إذ كانوا يتوجّسون من الإنفتاح الذي بدأه الرئيس بشار في النظام، إذ اعتبروا استمراره نوعاً من كرة ثلج ستكبر في استمرار. لكن الرئيس الشابّ لم يكن متجاوباً معهم. فذهبوا إليه وأطلعوه على هواجسهم ومخاوفهم وتوقعاتهم وعلى أخطار الانفتاح الذي فتح بابه وإن "مواربةً" عليه وعلى النظام وعلى البلاد. بعد ذلك بدأت "الحرية" التي مارسها السوريون لأشهر أي حرية الاجتماعات العلنية والتبادل العلني للآراء والأفكار تسلك طريق الغياب القسري ولكن بالتدريج. طبعاً أُصيب السوريون الطامحون إلى نسمات قليلة وثابتة من الحرية بالخيبة. كما أُصيب قادة الدول الكبرى ولا سيما الأوروبية منها وفي مقدمها فرنسا بالخيبة نفسها.