مفترق غامض لسوريا لا وضوح فيه سوى دحض النفوذ الروسيّ والإيرانيّ لزمن طويل

كتاب النهار 08-12-2024 | 06:50
مفترق غامض لسوريا لا وضوح فيه سوى دحض النفوذ الروسيّ والإيرانيّ لزمن طويل
سوريا اليوم ليست سوريا الشهر الماضي بعدما عجزت روسيا وإيران ميدانياً عن إيقاف قطار التغيير الذي أتى بسرعة خيالية
مفترق غامض لسوريا لا وضوح فيه سوى دحض النفوذ الروسيّ والإيرانيّ لزمن طويل
أخطاء بشار الأسد فادحة (أ ف ب)
Smaller Bigger

معارك دحض النفوذ في ساحة سوريا متعددة ومعقدة، بين أبرز عناوينها إنهاك وإنهاء الدورين الروسي والإيراني استفادةً من ضعف كلاهما معاً في لحظة نادرة، ومن تقييدٍ في قدرات كل منهما عسكرياً بسبب حرب روسيا في أوكرانيا من ناحية، والحرب الإسرائيلية والأميركية على المحور الإيراني من ناحية أخرى. تركيا تقدّم أوراق اعتمادٍ جديدة إلى الولايات المتحدة انطلاقاً من تدهور في علاقتها مع روسيا، بالذات على مستوى الرئيسين فلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان. وأنقرة تسعى لتوظيف الفرصة المتاحة للاحتفاظ بسيطرتها على أراضٍ سورية، كما لإعادة بسط نفوذها عبر فصائل مسلحة إسلامية تدّعي أنها قادرة على ضبطها واحتواء تطرفها. مصير الرئيس السوري بشار الأسد ليس محسوماً ورهن التطورات المتسارعة، لكن بقاء النظام في دمشق بحلّةٍ مختلفة وارد كي لا تنهار الدولة السورية والكلام يزداد عن تولّي المؤسسة العسكرية بعض السيطرة حفاظاً على الدولة وليس على الرئاسة.

أين الولايات المتحدة من كل هذا؟ إدارة الرئيس جو بايدن تنسّق عن كثب مع فريق الرئيس المنتخب دونالد ترامب، والعلاقة بينهما بناءة عكس ما كان مفترضاً. الرئيس بايدن أثبت أنه ليس الرئيس الديموقراطي الأسبق باراك أوباما سيما لجهة سياساته التهادنية مع إيران وإتاحة الفرصة لها للسيطرة على الشرق الأوسط، فإدارة بايدن هي التي مدّت إسرائيل بكل الإمكانيات العسكرية والاستخبارية لتتمكن من كسر الذراع الأهم لطهران، أي "حزب الله" في لبنان، ولتضرب القدرات الجوية الاستراتيجية داخل إيران ضربات قاضية.

ترامب أقرب إلى بايدن ممّا بايدن إلى أوباما في إطار السياسة الأميركية الجديدة للشرق الأوسط، وهو لا يعارض تقويض النفوذ الروسي في سوريا لأن المصلحة الاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة تقتضي ذلك. ثم أن سوريا هي نقطة وصل للميليشيات الإيرانية، وجغرافية سوريا كانت مركزية لمشروع الهلال الفارسي. ترامب يوافق بايدن على تطويق إيران وتمزيق "حزب الله" وتحويل محور المقاومة إلى محور التشتّت برعاية إيرانية ونسف مشروع الهلال الفارسي.

لكن ما لا يريده فريقا بايدن وترامب هو تحوّل سوريا من ساحة نفوذ وسيطرة روسية- إيرانية إلى ساحة للإرهاب ولمشروع صعود الإخوان المسلمين إلى السلطة. وبحسب أحد أكبر المعنيين بصنع القرار الأميركي في الشرق الأوسط، لا أحد في العالم والمنطقة، بما في ذلك إسرائيل، يريد سيناريو انهيارٍ كارثي للدولة السورية- حتى لو تطلّب ذلك ضمان عدم انهيار نظام بشار الأسد.

التطوّرات الميدانية المدهشة لم ترعب الولايات المتحدة- حتى الآن- فالمصلحة الأميركية تبقى في التموضع الإستراتيجي شرق سوريا بكلفة ضئيلة. ثمّ أنّ تركيا هي التي في قيادة التطورات بما يُبعِد المسؤولية عن الولايات المتحدة، وكذلك يُبعد الانتقام منها. فالسياسة الأميركية في هذا المنعطف هي سياسة تفويض؛ تفويض إسرائيل بكسر الأذرع الإيرانية وتطويق إيران، وتفويض تركيا بإبعاد النفوذ الروسي والنفوذ الإيراني عن سوريا، ما سيؤثر على النفوذ الإيراني في العراق.

ما بات واضحاً هو أن روسيا لن تتمكن من التدخل ميدانياً لإنقاذ حليفها بشار الأسد أو لإنقاذ نفوذها. ليس أمامها الآن سوى التمنّي بأن تتمكن المؤسسة العسكرية السورية من ضبط الأمور كي لا تقع سوريا في قبضة "الإخوان المسلمين" وتصبح سوريا منصة لانطلاق التطرّف السنّي داخل وحوالي روسيا.

فخسارة روسيا لسوريا حدث ضخم على عدة مستويات، من القواعد العسكرية الروسية، إلى إنهاء التواجد الروسي على البحر الأبيض المتوسط، إلى انحسار النفوذ الروسي في منطقة الشرق الأوسط برمتها وصعود النفوذ التركي والإسرائيلي. كذلك، إن خسارة إيران لسوريا كارثية على روسيا وليس فقط على إيران.

أمل روسيا الوحيد هو أن تتمكن المؤسسة العسكرية السورية من استعادة المبادرة أو أقله من الحفاظ على الدولة وعدم الانهيار أمام الفصائل الإسلامية الراديكالية. فذلك السيناريو هو الأسوأ ليس فقط للروس وللإيرانيين، وإنما أيضاً للولايات المتحدة.

تركيا تقدّم الوعود للولايات المتحدة بأنها قادرة على السيطرة على الفصائل المتطرفة وأنها واثقة بعدم وقوع الدولة السورية في حضن الإرهاب. هذه الوعود ليست ضمانات ولا هي مطمئنة سيّما أن تركيا، ومعها إسرائيل، تريد تدمير سوريا، كل لغايته المختلفة عن غاية الآخر. فسوريا بلا الأسد وتحت سيطرة فصائل موالية لأنقرة هو هدف استراتيجي لتركيا سيّما وأن ذلك يؤدي إلى طرد روسيا وإيران معاً من سوريا.

أما بالنسبة لإسرائيل، التي تتعاون مع تركيا في توفير الاستخبارات الضرورية لها وللفصائل التي تساندها، فإن ما تريده هو قطع الإمدادات الإيرانية العسكرية إلى لبنان عبر سوريا. إنما إسرائيل لا تثق كلياً بتركيا علماً أن علاقاتهما تأرجحت كثيراً في السابق، وهي قلقة من العناصر المجهولة التي تحارب في سوريا وتريد الإطاحة بالأسد. فبشار الأسد بقي خارج الحرب الإسرائيلية على "حزب الله" في لبنان، ولم يتدخل أو يفعّل الجبهة السورية، وبالتالي لم يكن القرار بالإطاحة به إسرائيلياً، لكنه قرار تركي بالتأكيد مهما نفت أنقرة.

مع سقوط حماه، بدا واضحاً أن حزام الأمان لبشار الأسد بدأ يتصدّع. مع اعتماد قائد "هيئة تحرير الشام" أبو محمد الجولاني اسمه الحقيقي، أحمد حسين الشرع، بدأت إعادة تأهيله كشخصية سورية قيادية وطنية من أجل إبعاده عن الجهادية. وفي مقابلة مع "سي.أن.أن" قال الجولاني إن ما سيأتي بعد حماه ليس كما قبله وأن الهيئة قد تُحلّ في أيّ وقت بعد تحقيق أهدافها.

لكن الجولاني مصنَّف على لائحة الإرهاب من قبل الولايات المتحدة، واعتماد اسمه الحقيقي ليس بالضرورة تأشيرة مرور إلى مؤسسة الدولة السورية. فهو كان زعيماً لـ"النصرة"، فرع تنظيم القاعدة، خلال الحرب الأهلية السورية، قاتل في العراق حيث قضى 5 سنوات في سجن أميركي، وأرسله زعيم "داعش" في العراق حينذاك، أبو بكر البغدادي، للإطاحة بالحكومة السورية. بالتالي، إن تغيير الرجل في الشكل والخطاب لن يكون بالضرورة ناجحاً في إعادة تأهيله.

الحفاظ على مؤسسة الدولة السورية يشكل قاسماً مشتركاً بين الكثير من اللاعبين بمن فيهم النقيضين الأميركي والروسي. إدارة بايدن تريد تجنب انهيارها، والحكومة الروسية تتمنى بقاءها. كلاهما رأى في بشار الأسد صمام الأمان في مراحل مختلفة، إنما اليوم يوم آخر.

موسكو تبدو مستعدة لتسهيل مغادرة الأسد طالما ذلك يضمن بقاء النظام بحلّة جديدة وهي تبدو جاهزة للعب دور يأتي عليها باستمرار العلاقة مع المؤسسة العسكرية حتى وإن كانت مختلفة عن السابق. وهناك كلام عن استعداد روسيا استقبال الأسد وعائلته إذا أراد الخروج آمناً.

فالأولوية الآن تبدو لبقاء النظام في دمشق وليس بقاء الأسد، ومن هنا أهمية معنويات المؤسسة العسكرية وضرورة عدم إصابتها بالإحباط كاملاً. المصلحة الروسية في ذلك تكمن في تجنب الهزيمة الأخلاقية الكاملة والإبقاء على علاقات تكتيكية مع المؤسسة العسكرية في سوريا بعد خسارة العلاقة الاستراتيجية مع الأسد.

إذا انتصرت الفصائل المسلحة وحصدت تركيا ما استثمرته في سوريا، الأرجح أنها لن تريد مؤسسة عسكرية متماسكة في دمشق تحافظ على علاقاتها مع روسيا ومع إيران. إنما إذا أصرّت الولايات المتحدة على تركيا بأنها تدعم بقاء المؤسسة العسكرية السورية معدّلة في نظام غير مرتبط بروسيا وإيران كما كان، قد ترضخ تركيا قليلاً وتبدأ بالهبوط من أعلى السلم.
فواشنطن قد تريد تفويض تركيا مهام نسف النفوذ الروسي والإيراني في سوريا، لكنها لن تفوّضها بدعم الفصائل المتطرفة للإطاحة بالنظام في دمشق. وبالتالي، هناك قاسم مشترك بين الولايات المتحدة وروسيا وهو أن انهيار المؤسسة العسكرية السورية أمام الفصائل الإسلامية المتطرفة مرعب للجميع وليس في مصلحة أحدهما.

سوريا اليوم ليست سوريا الشهر الماضي بعدما عجزت روسيا وإيران ميدانياً عن إيقاف قطار التغيير الذي أتى بسرعة خيالية؛ فكلاهما غير قادر أن يبعث قواته البرية لإنقاذ النظام الموالي لهما كما لإنقاذ نفوذهما في سوريا.

أميركا ليست في مقعد القيادة لهذا القطار السريع، وإنما تركيا، لكن في وسع واشنطن وضع ضوابط للقيادة التركية كي لا تتهوّر في ثمل انتصاراتها. يمكنها أيضاً احتواء نشوة إسرائيل بتمزّق إيران وأذرعها وتطويق نفوذها كي لا تتسرّع إسرائيل إلى الشراكة مع تركيا لتشييد موقع قدم للإخوان المسلمين للحكم في سوريا.

أخطاء بشار الأسد الفادحة ورفضه القاطع إشراك المعارضة السورية المدنية في الحكم ساهمت في إيصال سوريا إلى حيث هي الآن. حتى بعدما أقبلت الدول العربية على إعادة تأهيله عربياً، لم يستثمر بشار الأسد في إصلاحات جديّة تنقل سوريا من خانة الحرب الأهلية إلى خانة الشراكة في الحكم.

سوريا اليوم على مفترق غامض لا وضوح فيه سوى انحسار نفوذ إيران و"حزب الله" والنفوذ الروسي، بل دحضه لزمن طويل.