النّظام السّوري بين خيارين عاجلين: التّغيير أو السّقوط!

كتاب النهار 07-12-2024 | 06:13
النّظام السّوري بين خيارين عاجلين: التّغيير أو السّقوط!
يدور الزمن دورته الكاملة في سوريا ويعود إلى العام 2011، ولكن مع منصة حلول واضحة يوفرها القرار 2254 في مقابل تغيّر كبير في ميزان القوى...
النّظام السّوري بين خيارين عاجلين: التّغيير أو السّقوط!
مقاتلون من الفصائل المسلحة أثناء الاستيلاء على قاعدة جوية عسكرية للنظام السوري (أ ف ب)
Smaller Bigger

لم يعد النظام السوري يملك الوقت لممارسة "التأرجح"، فهو بات محكوماً بخيار من اثنين: إمّا التغيير أو السقوط!

من دون شك، يرغب الكثيرون في الإقليم والعالم في أن يختار الرئيس السوري بشار الأسد التغيير، لأنّ سقوطه سيكون مدوياً، فسوريا كما يرغب بها الأسد المدعوم من "محور المقاومة" أصبحت "خارج الحقيقة الإقليمية"، حيث قرار بتر أذرع إيران "جار على قدم وساق"، وبالتالي، حتى لو صمد هذا النظام، بشكله الراهن، فهو "جلّاب مصائب" و"مصنع حروب" و"آلة تهجير". في المقابل، فإنّ سوريا التي يسقط فيها النظام تحت ضربات المعارضة المسلّحة، لن تكون أمام "مرحلة وردية"، فالائتلاف المعارض المسلح، سرعان ما سيتفتت، ويدخل في "حروب إلغاء" و"حروب أحجام" و"حروب الطامحين" و"حروب المصالح الإقليمية" و"حروب حصص الكبار"!

وحروب بدائل النظام هذه سوف تؤدي، إمّا إلى التقسيم الفعلي وإما إلى التقسيم الواقعي، بحيث يسعى كل طرف إلى الدفاع عن مصالحه الاستراتيجية، سواء من الناحية العراقية أو التركية أو الإسرائيلية، في ظل تطلعات متضاربة لكل من الولايات المتحدة الأميركية وروسيا.

وبناءً عليه، فإنّ خيارات النظام السوري "محصورة"، وليس عليه، عملاً بالدورس المستخلصة من سقوط مدينة كبرى مثل حلب، ومدينة استراتيجية مثل حماه، وإمكانية السيطرة قريباً على مدينة رمزية مثل حمص، وبهذه الفترة الزمنية القصيرة جداً، سوى أن يتطلع إلى المخارج التي توفرها له الحلول الموضوعة على الطاولة منذ سنوات طويلة، وكان قد تعمّد إخفاءها تحت ركام الثقة بـ"محور المقاومة".

ويدرك الجميع أنّ الغطاء الجوي الذي يمكن لروسيا أن توفّره، إذا وجدت مصلحة استراتيجية فعلية لها في ذلك، وهي التي تحتاج لمجهودها الأوكراني الكثير من الطاقات، يحتاج إلى قوات برية لاستثماره. 

حتى الأمس القريب، كان "حزب الله" هو العمود الفقري للقوات الموالية لبشار الأسد. كان يضع كامل قوته وخبرته في تصرف النظام الذي أعادت صياغته المصلحة الإيرانية. وكان الأمين العام السابق لـ"حزب الله" حسن نصر الله المدافع الشرس عن النظام السوري، إذ كان يملك القدرة والأهلية والكاريزما، لتبرير ما يفعله النظام السوري وما لا يفعله. وكانت تركيا معنية بالمعادلات التي أرساها الإيرانيون والروس في سوريا، و"قابلة على مضض بها". وكانت إسرائيل راضية على "الأمر الواقع" ما دامت تملك، إلى حد ما، القدرة على استهداف ما يمكن أن يعرّض أمنها القومي للخطر. وكان "الحشد الشعبي" في العراق أكثر تحرراً في الداخل وفي لعبة النفوذ ضد القواعد الأميركية. 

ولكن كل ذلك تغيّر راهناً!

 إيران التي قال رئيسها مسعود بزشكيان، في بداية هذا الأسبوع، إنها في وضعية "الدولة المفلسة عملياً"، تعاني مشكلاات كثيرة، فالعين عليها في لبنان المدمّر، وتواجه مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض "حرباً مباشرة" مع إسرائيل، وتعاني مشكلات استراتيجية مع روسيا، وتواجه مخاطر على المجموعات المسلحة على حدودها مع باكستان، ومخاوفها كبيرة من واقع أفغانستان في ظل عودة حركة طالبان إلى السلطة، ولن تكون يدها مطلقة، مهما كانت نياتها "صافية" في سوريا.

و"حزب الله" الذي كان يثور دفاعاً عن النظام السوري، إلى درجة أنه سبق لنصر الله أن قال إنه، إذا اقتضت الضرورة، فهو سوف يذهب شخصياً إلى الحرب معه، يجد نفسه، في ظل قيادة هشّة ومتداعية، يتعهد بالمساعدة "على ما قدر ما نتمكن"، وفق ما قاله أمينه العام الشيخ نعيم قاسم. وليس سراً أنّ إمكاناته باتت ضئيلة، فمقاتلوه المحترفون الذين سبق لهم أن ساهموا في تغيير المعادلات الميدانية، هم حالياً، في غالبيتهم العظمى، إمّا قتلى أو جرحى، في ظل متابعة دقيقة لهم من قبل إسرائيل التي تأخذ راحتها في استهداف من تشاء منهم في سوريا، وتسيطر على معابرها، من الجو. 

و"الحشد الشعبي" في العراق يدرك هشاشته الاستراتيجية راهناً، وهي تعود لأمور كثيرة، من بينها أنّ إسرائيل تضعه تحت المجهر، وقد سبق أن ألحقت خسائر قاتلة بـ"حركة النجباء" في تدمر، في وقت يسلّط الجيش الأميركي نظره على "حزب الله العراقي" الذي لم يُخفِ يوماً أن هدفه إطاحة القواعد الأميركية في المنطقة.

حالياً، التاريخ يعيد نفسه بالنسبة لبشار الأسد، ولكن مع معادلات جديدة. عندما بدأت الثورة السورية في ربيع عام 2011، لم يكن مطلوباً من رئيس النظام السوري سوى "تغيير نوعي". لم يقبل، فخسر كل العالم ورمى نفسه في أحضان "المحور الإيراني" الذي سرعان ما استنجد، على الرغم من وضعيته المعافاة بالمقارنة مع اليوم، بروسيا "المنقذة". 

مع السنوات، تمّ إصلاح الحال، نسبياً، بين النظام والعالم العربي، ولكن بقي إصراره على عدم إحداث "تغيير نوعي" في النظام يحول دون أن يستفيد ويفيد شعبه من طاقات هذا العالم.

حالياً، يدور الزمن دورته الكاملة ويعود إلى عام 2011، ولكن مع منصة حلول واضحة يوفرها القرار 2254 في مقابل تغيّر كبير في ميزان القوى، فأعداء بشار "الودودون" أقوى من ذي قبل، وحلفاؤه أضعف نوعياً، وأصدقاؤه يحثونه على أن "يتعقل" وصانعو الحدث الإقليمي ينتظرون أن "يتوكلوا"!