.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
أسبوع واحد فقط هو ما احتاجته فصائل المعارضة السورية، بقيادة هيئة تحرير الشام، للسيطرة على كامل محافظة حلب وما تبقى من ريف إدلب والوصول إلى أبواب مدينة حماة. وهو حدث نادر، وربما غير مسبوق، لمجموعات غير نظامية تقاتل جيشاً نظامياً مدعوماً بسلاح الجو وبمليشيات محلية وأجنبية. وبالرغم من كل ما قد حكي عن تدريب جيد لهذه المجموعات ومدّ تركيا لها بالسلاح النوعي، وتحديداً المسيرات، فإن هذا لا يُفسّر سهولة وسرعة تقدّم هذه المجموعات والسيطرة على آلاف الكيلومترات المربعة في وقت قياسي؛ فكل ما جرى يؤشر لشيء واحد: الهدف هو ضرب مليشيات إيران تمهيداً لقطع الخط البري الذي يربط طهران بالبحر المتوسط.
وحسب تقارير ميدانية، سجّلت حالات فرار كبيرة في صفوف الجيش السوري في حلب وحتى شمال حماة، وهو ما يفسر وجود عشرات الدبابات والآليات مهجورة داخل الثكنات وعلى الطرقات وهي بحالة سليمة، بالإضافة إلى الذخائر. كذلك قد تخلّى الجيش السوري، ومن دون أي مقاومة تذكر، عن أربع قواعد جوية، مع العلم أن سلاح الجو هو ما يعطيه التفوق على فصائل المعارضة. ولم يبادر الجيش السوري بهجماته المرتدة قبل سبعة أيام من انطلاق عمليات الفصائل المسلحة.
أما سلاح الجو الروسي، فلم تكن غاراته على مواقع الفصائل وخطوط مواصلاتها فعالة جداً بالرغم من إصابتها لبعض التجمعات، فهي كانت تهدف إلى تأخير عمليات التقدم أكثر من أي شيء آخر. ويمكن قول الشيء نفسه عن سلاح الجو السوري الذي هو أقل حداثة من حليفه الروسي. أما المليشيات الإيرانية، فهي أيضاً تفاجأت بسرعة الهجوم، وآثرت الانسحاب السريع من سراقب والريف الشمالي والجنوبي لحلب، بعد انهيار صفوف الجيش السوري.
باستثناء المسيرات الانتحارية التي أطلقت عليها الفصائل اسم "الشاهين"، وراجمات الصواريخ من ر ٢٤٠ ملم، لم يلحظ المراقبون أيّ أسلحة جديدة في ترسانة الفصائل السورية المسلحة. فهي شبيهة بنوع الأسلحة لدى الجيش السوري، وهي في نهاية الأمر جمعت على مر الزمن من مخازن وثكنات الجيش السوري منذ العام ٢٠١٢. الفارق الأساسي بين الطرفين هو المعنويات والخبرة القتالية؛ فكون الجزء الأكبر من هذه الفصائل هي إسلامية عقائدية، ومن الجنسية السورية، وشهدت عدة معارك سابقاً، فهذا مما زاد من شراستها على أرض المعركة مقابل جنود سوريين، أغلبيتهم من المجندين، ويفتقرون إلى الخبرة القتالية، ومعنوياتهم متدنية نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة. وكانت لافتة تعليقات المدوّنين الروس الذين يتابعون الشؤون العسكرية، حيث انتقدوا أداء الجيش السوري في مواجهة الفصائل المسلحة واتهموا ضباطه بالفساد.
ولقد ظهر التفوق القتالي والتكتيكي جلياً في معارك أرياف حماة، حيث تمكنت الفصائل المسلحة من استيعاب الهجوم المضاد للجيش السوري خلال ساعات، ثم شنت هجمات مرتدة، مكنتهم من السيطرة على جبل زين العابدين الاستراتيجي ودخول أحياء مدينة حماة الشمالية وقطع الطرقات المؤدية إلى المدينة من الشرق والغرب. لكن، هل ستكتفي الفصائل المسلحة بالسيطرة على حماة أم ستكمل طريقها جنوباً نحو حمص؟ وهل فعلاً هذه الإنجازات الميدانية حققت بجهد هذه الفصائل وحدها، أم أن هناك قطبة مخفية؟
لا يبدو أن الفصائل المسلّحة ستكتفي بالسيطرة على حماة، بل يبدو أنها جهّزت وأطلقت في هذه العملية من قبل حليفها التركي، وبمعرفة بعض القوى الدولية لهدف واحد: قلب الطاولة وتغيير خريطة السيطرة والتحالفات. وسيكون التغيير على حساب الجهة التي شهدت انتكاسات كبيرة في نفوذها العسكري خلال السنة الماضية، أي إيران. فجميع المحاولات التي قامت بها تركيا وروسيا لدفع الرئيس السوري بشار الأسد لتطبيق إصلاحات والانطلاق في المسار السياسي للمصالحة مع المعارضة تم تقويضها من قبل طهران،التي تريد أن تحافظ على وجود مليشياتها المسلّحة في سوريا،والتي تشكل حلقة الوصل مع "حزب الله" في لبنان. وهي تعمد لإحداث تغيير ديمغرافي والهيمنة على القرار في دمشق.
وحسب بعض المصادر المطلعة، فإن هجوم الفصائل المسلّحة جاء بتخطيط تركي وبعلم موسكو وواشنطن، وهو قسّم على مراحل، على أن تنتهي فور تحقيق الهدف الرئيسي. هدف المرحلة الأولى السيطرة على كامل إدلب وحلب، وتسليم المناطق التي يسيطر عليها النظام في دير الزور لفصيل "قسد" الكردي. لذلك كانت السيطرة على حلب سهلة وسريعة جداً. وإذا لم يستجب الرئيس الأسد لعروض الانفصال عن المحور الإيراني، فستبدأ الفصائلُ المرحلةَ الثانية، وهي السيطرة على حماة، ومحاصرة المليشيات الإيرانية في حمص. طبعاً توقيت بدء الهجوم جاء بعد الضربات العسكرية الكبيرة التي تلقاها "حزب الله" في لبنان وسوريا في الحرب مع إسرائيل. ضعف "حزب الله" أوجد فرصة لتنفيذ هذه العملية العسكرية الكبيرة.
لن تتخلّى طهران بسهولة عن "حزب الله" ومليشياتها في سوريا، حيث عملت لأكثر من عقدين على إنشائها والاستثمار فيها لتكون جزءاً من استراتيجيتها الدفاعية وأداة لفرض نفوذها في المنطقة. وعليه، فإن المواجهة في سوريا اليوم هي معركة كسر عظم لإضعاف المليشيات الإيرانية وتقليص نفوذها بشكل لا تعود مؤثرة في قرار دمشق، وعاجزة عن مد "حزب الله" بأسلحة ومساعدات قادمة من إيران. وقد نشهد في الأيام المقبلة تحركات عسكرية لفصائل معارضة مسلحة في محيط دمشق ودرعا والسويداء تزيد من الضغط على الجيش السوري والنظام.
ربما تتداخل التطورات في سوريا مع الوضع الهشّ في لبنان، حيث تمارس ضغوط محلية ودولية على "حزب الله" لتطبيق بنود اتفاق وقف إطلاق النار، التي تنصّ على تسليم سلاحه وإنهاء دوره العسكري. ونقلت "رويترز" عن مصادر استخباراتية أميركية أن "حزب الله" لا ينوي فعلاً تطبيق الاتفاق، ويقوم بإعادة تسليح نفسه، مما يعني أن الحرب في لبنان قد تشتعل مجدداً، أو تستمر إسرائيل بضرب الحزب ومنعه من التسلح بالتعاون مع لجنة الرقابة الدولية من دون إسقاط الهدنة. إنهاء ما يسمى بالهلال الشيعي لإيران قد بدأ.