.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
جاءت عقيدة أو مبدأ بوتين محصلةً لتقاطع عوامل متعددة، في لحظة تاريخية تؤكد انفرادية غير معهودة بتحديد العدو، واستباقية في مهاجمته وضربه من حيث لا يحتسب. بتهور، تأهبت روسيا نووياً أخيراً، ثم هاجمت أوكرانيا بصاروخ عابر للقارات، لأول مرة في التاريخ العسكري. المفارقة أن واشنطن تجاهلت تكتيكات بوتين، وواصل بايدن "إغاظته" والضغط عليه!
يقف العالم على رؤوس أصابعه. لا تزال قوات الردع الروسية تجري مناورات على أسلحة يمكنها ضرب أي بقعة في الكوكب. بالمقابل، تواصل القوى الغربية التضييق على الدب الروسي. هستيريا تحضر فيها هواجس الماضي ورائحة الحرب العالمية، وحمّى الهويات القاتلة والمصائر المتصارعة، فوق رقعة "أوراسيا" أو "قلب العالم".
يختزن الصراع في أوكرانيا طموحات قادة، وتطلعات دول، حول ما كان وما يمكن أن يكون. أوكرانيا مسرح "لعبة كبرى"، يشارك فيها كل لاعب. سعياً لتحقيق مصالحه، يتخذ قراراته وفق تقديره للفرص والمخاطر، ولمواقف اللاعبين الآخرين كذلك. يتبع الرئيس الروسي نهج هنري كيسنجر ثعلب السياسة العالمية، أي سياسة الخطوة خطوة، تصعيد الأزمة إلى أقصى درجة من أجل حلّها. يرى بوتين روسيا الدولة الوحيدة ذات السيادة في محيطها أو "عمقها الاستراتيجي". لا سيادة كاملة لأي دولة في جوارها الأوروبي، بل سيادة مشروطة. يضع بوتين عينه على الولايات المتحدة، وهي المنافس الحقيقي في الهيمنة على أوراسيا. تعاند الرياح أشرعة بوتين. حجم الخسائر الروسية في الأرواح والمعدات هائل. يطلب الدعم من الصين وإيران وكوريا الشمالية. وبينما ترتمي أوروبا المذعورة في حضن واشنطن، تنضم فنلندا والسويد إلى الناتو. يتحمَّل الاتحاد الأوروبي أكبر الخسائر. إزاحة المواد الخام الروسية مؤلمة للغاية. يؤثر ذلك في النمو الاقتصادي. الصراع في أوكرانيا جزء من عملية فصل الاتحاد الأوروبي اقتصادياً عن روسيا. الأجندة الأكبر هي إحباط الاقتراح الصيني بانضمام أوروبا وروسيا إلى "طريق الحرير الجديد"، الذي يمتد بطول أوراسيا من لشبونة إلى شانغهاي. مقترح يستبعد الولايات المتحدة، مما يدفعها لقطع الروابط بين روسيا والصين وأوروبا.
تقوم الاستراتيجية الأميركية على توحيد صفوف الدول، كأتباع لا حلفاء، حتى الأوروبيين أيضاً أتباع لأميركا سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، وفقاً لرؤية زبغنيو بريجينسكي مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق، فلا مانع لدى واشنطن من تدمير القوى المنافسة، بإثارة "حروب بينية" لهم؛ وإذا اقتضى الأمر إقحام "تابعيها" في تلك الحروب. ولتظل الولايات المتحدة هي الأقوى اقتصادياً وعسكرياً، لا تدخل في حرب مباشرة إلا عند تهديد مصالحها مباشرة. زيّنت أميركا للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي طلب الانضمام إلى الناتو، بكل ما يعنيه ذلك من ارتدادات على الخريطة الجيوستراتيجية الدولية، فاشتعل فتيل الحرب مع موسكو. المسافة بين كييف وموسكو 900 كلم. عند شغاف القلب الروسي-الأوروبي، خط نار قد يحرق العالم، إن نزل السلاح النووي إلى الميدان.
من مجمل هذه المعطيات، يقدّر الكرملين أن الصدام مع الغرب آتٍ لا محالة. مسألة وقت. وجود الحلف في أوكرانيا لا يعني تطويق روسيا بقدر ما يعني اختراق قلبها، وإطلاق ديناميات تغييرية في داخل المجتمع الروسي. لذا تتلخص رؤية بوتين في: إمّا أن نفكك مشروع الناتو في أوكرانيا، وإمّا أن نواجه خطر تفكك روسيا نفسها. يصعب أن تشعر روسيا بالأمان والبقاء في ظل تهديد مستمر من الجوار الأوكراني. تنصب إرادة الكرملين على انتزاع ضمانات من أوكرانيا بعدم الانضمام إلى أحلاف معادية لموسكو، وبعدم التسلح بالنووي، وتعديل قيمتها الجيوسياسية كعمق استراتيجي لروسيا أو دولة-حاجز بينها وبين الغرب والناتو.
ترفض أوكرانيا هذا التصور بشدة. يعتبره الرئيس زيلينسكي محاولةً لمنع بلاده من اتخاذ خياراتها السيادية، خاصة خيار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، وهو يجد تأييداً قوياً من جانب الأميركيين والأوروبيين، على أساس أن بوتين يمارس التمويه السياسي للانقضاض على دولة حليفة للغرب.
الوضع بالغ التعقيد. السمك الكبير يقضم الصغير. يمزقه طوال الوقت. هنا يكمن الخطر. يُبرز التقدير المحايد لمواقف أطراف الصراع عدة معطيات: تبدو العملية الروسية، للوهلة الأولى، ضربةً استباقية شبيهة بالضربات الاستباقية الأميركية أو الإسرائيلية. من ناحية أخرى، لا يمكن تجاهل ثلاثة عقود من التوسع المبالغ فيه لحلف الناتو حتى طوّق روسيا. ما هو مؤكد أن اللاعبين الكبار يعيدون تقويم ما يجري، وما يجوز التضحية به وما لا يجوز. يرغب بعضهم في نظام عالمي مختلف. مع قرب تولي إدارة دونالد ترامب السلطة بالبيت الأبيض، ربما يكون لها منظور مغاير تجاه الصراع في أوكرانيا، قبل اندلاع حرب عالمية ثالثة؛ إن اشتعلت، قد تنتهي بعودة البشر إلى الكهوف، هذا لو بقي بشر على الكوكب. العالم بحاجة إلى حكماء، للحيلولة دون إبادة الجنس البشري، ولتبريد الجبهات التي لا تكاد تنطفئ الحرائق في إحداها حتى تعاود الاشتعال على نحو أشد، وما يحدث في سوريا اليوم خير شاهد!