.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
يحمل الهجوم الواسع لـ"هيئة تحرير الشام" (جبهة النصرة سابقاً) على حلب وأرياف إدلب، دلالات خطيرة على سوريا والإقليم. هذا الهجوم هو الأوسع نطاقاً منذ أنشئت مناطق "خفض التصعيد" بتفاهمات بين الرئيسين التركي رجب طيب أردوغان والروسي فلاديمير بوتين.
يأتي الهجوم الذي يهزّ التفاهمات المذكورة، في وقت أخفقت كل المساعي التي بذلتها روسيا وإيران لعقد قمة بين أردوغان والرئيس السوري بشار الأسد. أي أن قلب المعادلات في جبهة ريف حلب هو ترجمة فعلية لانسداد الأفق السياسي بين دمشق وأنقرة، بعدما رفض الأسد لقاء أردوغان قبل تعهّد تركي بالانسحاب من الأراضي السورية. ومن غير الممكن أن تشن "هيئة تحرير الشام" والفصائل السورية المتحالفة معها هجوماً بهذا الحجم، من دون ضوء أخضر تركي.
وتعاني العلاقات التركية-الروسية بدورها توتراً في المدة الأخيرة، في ظل اتفاقات التعاون العسكري التي أبرمتها أنقرة مع كييف، والتي استدعت استغراباً روسياً علنياً، في وقت كانت تركيا، ولا تزال، تقدم نفسها وسيطاً في الحرب الروسية-الأوكرانية.
ما يجري على جبهة حلب، ليس بمعزل عن التطورات الإقليمية الأخرى، وفي مقدمها وقف النار في لبنان بعد أكثر من شهرين من الضربات الجوية الإسرائيلية، التي طاولت "حزب الله" وأضعفت قدرات الحزب عسكرياً. وشنّت إسرائيل أيضاً ضربات كبيرة في الداخل السوري، وبينها مواقع للجيش السوري على جبهة إدلب، بينما كانت الضربة الأكبر هي تلك التي استهدفت مواقع سورية وأخرى تابعة لفصائل موالية لإيران في مدينة تدمر. هذه الغارات خلّفت أكبر حصيلة من القتلى منذ أكثر من عقد.
بديهي، أن تكون "هيئة تحرير الشام" والفصائل السورية المعارضة التي تنضوي تحت لواء "الجيش الوطني" الممول والمسلح من تركيا، قد لمست ضعفاً لدى المواقع التابعة للجيش السوري، بينما "حزب الله" الذي كان داعماً قوياً للأسد، منشغل الآن بترميم قدراته التي تضررت إلى حدّ كبير بالضربات الإسرائيلية.
أحدثت الحرب الإسرائيلية على غزة ومن بعدها على لبنان وإيران ذاتها، تحولات كبيرة في المنطقة، وأخلّت بالتوازنات التي كانت سائدة. وحذّر أردوغان مراراً من تبعات الحرب الإسرائيلية وانعكاسها على سوريا وتركيا أيضاً، وأدرج دعواته المتكررة للأسد من أجل عقد لقاء قمة، في سياق ضرورة مناقشة تداعيات هذه الحرب على البلدين.
والتحولات الإقليمية تنتظر أيضاً تسلم الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب مهامه رسمياً في 20 كانون الثاني (يناير). ومعروف عن ترامب أنه ليس متحمساً لبقاء القوات الأميركية في سوريا. وكان في ولايته الأولى بين عامي 2017 و 2021 قد أمر بسحب الجنود الأميركيين من هناك، لكن قادة البنتاغون ارتأوا الاحتفاظ بوجود رمزي يصل إلى 900 جندي منتشرين من قاعدة التنف على المثلث الحدودي السوري-العراقي-الأردني إلى شمال شرق سوريا، حيث توجد "قوات سوريا الديموقراطية" التي تشكّل "وحدات حماية الشعب" الكردية عمودها الفقري.
ولطالما، هدّد أردوغان بعملية عسكرية في شمال شرق سوريا من أجل توسيع الشريط الأمني التركي، لمنع أكراد سوريا من إنشاء كيان منفصل في مناطق سيطرتهم، بدعم من القوات الأميركية.
وأظهر الرئيس الأميركي جو بايدن دعماً لأكراد سوريا، وضَغَطَ على أردوغان من أجل عدم شن عملية عسكرية في المناطق الكردية، في حين أن ترامب الذي يتمتع بعلاقات جيدة مع أردوغان، ربما يكون أكثر تسامحاً مع الخطط التركية.
ولهذا، ترتدي التطورات المتسارعة على جبهة حلب في المرحلة الانتقالية بين رئاستي بايدن وترامب، خطورة كبيرة تفاقم من مشهد الفوضى التي تسببت بها الحرب الإسرائيلية المستمرة على غزة منذ أكثر من 14 شهراً.
انهيار تفاهمات بوتين-أردوغان مؤشر إلى عودة سوريا ساحة رئيسية للصراع بين القوى الإقليمية والدولية.