الكويتيّ الذي تسلّق قمّة المجد

كتاب النهار 29-11-2024 | 03:35
الكويتيّ الذي تسلّق قمّة المجد
كنت أرمق المغامر الكويتي يوسف الشطي بنظري وهو منهمك في مشاهدة فيلمه السينمائي الوثائقي لأول مرة، وبدا عليه التأثر واقشعر بدنه وبدني ونحن نشاهد طائرة الهيلوكوبتر وهي تهبط بوالديه على سفح الجبل ليعانقاه ويدعوان له بالتوفيق وكأنها لحظات وداع أخيرة.
الكويتيّ الذي تسلّق قمّة المجد
نجح البطل الكويتي بالوصول إلى قمة إيفرست برغم الأحوال الجوية الأسوأ في تاريخ الجبل (أ ف ب)
Smaller Bigger

شاهدت قبل أيام فيلم "العنيد" مع بطل الفيلم نفسه، وذلك قبل عرضه في دور السينما. كانت مشاعري غير مسبوقة حيث كنت الوحيد في القاعة إلى جانب ليس بطل الفيلم فحسب بل أوّل عربي يتسلّق قمّة جبل إيفرست الأعلى في العالم من دون أكسجين. ومن المقرر عرض الفيلم بعد أسابيع قليلة. 

كنت أرمق المغامر الكويتي يوسف الشطي بنظري وهو منهمك في مشاهدة فيلمه السينمائي الوثائقي لأول مرة، وبدا عليه التأثر واقشعر بدنه وبدني ونحن نشاهد طائرة الهيلوكوبتر وهي تهبط بوالديه على سفح الجبل ليعانقانه ويدعوان له بالتوفيق وكأنها لحظات وداع أخيرة.

ثم واصل يوسف مغامرة صعود الطود العظيم، الأصعب عالمياً، رغم تحذيرات مرافقه المدرب المعتمد، بأن الاستعداد للصعود يتطلب ما لا يقل عن ستة أشهر، وأن استعداده لنحو شهرين ليس كافياً. لكن يوسف (42 عاماً)، أصر على المضي قدماً "لرفع علم بلادي" حسب تصريحه. 

اصطحب يوسف معه مصوراً كندياً محترفاً كان قد تسلق قمة إيفرست وغيرها 11 مرة لكن باستخدام الأكسجين، وكأنه أراد أن يوثّق مجد يوسف أو نهايته في جبل الرعب، حيث لقي نحو 17 شخصاً حتفهم في العام الذي تسلق فيه (2023)، وذلك بسبب الأحوال الجوية الأسوأ في تاريخ الجبل. ومع ذلك واصل الصعود في ظلمة الليل الدامس، تجنباً للعواصف والانهيارات الثلجية النهارية التي كان يشاهدها أمام ناظريه. وهذا ما خفّض عدد المتسلقين في العام نفسه إلى 300 شخص فقط من أصل 500 ترخيص تمّ منحها، وذلك لخطورة الموقف.

وقد بلغت الحرارة نحو 60 درجة مئوية تحت الصفر، مما حدا به لارتداء قفازات وجوارب مُدفّأة تعمل بالبطاريات. وبدأ الإعياء الشديد عليه وأصيبت عينه بالعمى وتدهورت وظائف الجسم وكبده... وعولج لاحقاً في ألمانيا حتى تعافى. 

دخل يوسف الشطي في مشاحنات عديدة مع المدرب النيبالي المتردد، حتى أنه قال له صراحة بأنه يشك في مقدرته على بلوغ القمة! وهو ما أثار حفيظة يوسف، ثم اكتشف بأن مدربه كان خائفاً على نفسه أكثر من خوف المغامر يوسف!

المفارقة أنه في الليلة الظلماء، التي باتت فيها جموع المتسلقين في خيامهم قبل مواصلة الصعود الأخير، فوجئوا بأن آخرين قد سرقوا منهم أسطوانات الأكسجين! وهو مؤشر إلى أن دناءة المرء تلاحقه وإن بلغ عنان السماء، وأن من حُرم التربية لن يرتقي به موقع أو مقام.

وقبيل اللحظة الحاسمة، خضع جميع المتسلقين لاختبارات عقلية للتأكد من أهليتهم للصعود الأخطر للقمة، فنجح يوسف فيما أصيب آخرون بخلل عقلي حال دون استمراريتهم وتركيزهم. وقد شهد المصور المحترف ليوسف بأنه شخص استثنائي لا يقبل الهزيمة. وبالفعل نجح الرجل في الوصول إلى قمة العالم ورفع علم بلاده خفاقاً. 

ثم حدث ما لم يكن في الحسبان، حيث كان على كل متسلق أن ينزل بأسرع طريقة ممكنة إلى سطح البحر، لأن المكوث في القمة لمدة تتجاوز 24 ساعة، قد تهدد حياته، إذ إن نسبة الأكسجين تشكل ثلث الكمية المعتادة. وثبت تاريخياً أن كل من بات من دون أكسجين في مخيمات "منطقة الموت" قد فارق الحياة في الليلة نفسها، إلّا أن يوسف قد كُتِبَ له بأعجوبة عمر جديد. فصعق المدرب والمصور ووثّقت الكاميرات لحظات البهجة والنجاة. ليضيف ملحمة جديدة لسجل دخوله لموسوعة غينيس للأرقام القياسية.

حين نسمع عن مغامر قد يظن البعض بأن أنشطته محض إثارة واستعراض، لكن علم النفس يشير إلى أن من المغامرين من يسعون لإثبات الذات، وأن لديهم مزيجاً فريداً من الشجاعة، والمرونة النفسية، والرغبة في تحطيم سقف التوقعات. بذلك يصبحون أشخاصاً ملهمين لأمتهم.